بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 حزيران 2026 12:00ص تمديد التعميمين 158 و166: استمرارية «الترقيع المالي».. قراءة في إدارة أزمة الودائع بانتظار الإصلاح!

أنيس أبو دياب أنيس أبو دياب
حجم الخط
نوال أبو حيدر

في خطوة جديدة تعكس استمرار إدارة الأزمة المصرفية في لبنان عبر أدوات استثنائية، مدّد مصرف لبنان العمل بالتعميمين 158 و166 لسنة إضافية اعتباراً من الأول من تموز المقبل، في وقت لا تزال فيه أي خطة إنقاذ مصرفية شاملة غائبة عن المشهد. ويأتي هذا التمديد ليكرّس واقعاً مالياً معقّداً يعيشه المودعون منذ سنوات، حيث تُدار الودائع ضمن سقوف سحب محدودة وإجراءات ظرفية تُستخدم لتخفيف الضغط النقدي من دون معالجة جذرية لأصل الأزمة.
ومع استمرار اعتماد هذه التعميمات كأداة أساسية لتنظيم السحوبات بالدولار والليرة ضمن إطار «الحلول المؤقتة»، تتزايد المخاوف من تحوّل هذا النهج إلى سياسة طويلة الأمد تفتقر إلى رؤية إصلاحية متكاملة تعيد الثقة إلى القطاع المصرفي. وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري حول مدى قدرة مصرف لبنان على التوفيق بين الحفاظ على الاستقرار النقدي من جهة، والاستجابة لتطلّعات المودعين في استرداد جزء أكبر من أموالهم من جهة أخرى، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية الحادّة والتقلبات الأمنية التي لا تزال تلقي بظلالها على البلاد.
وبين التمديد والتأجيل، وبين الحاجة إلى سيولة فورية وغياب الحلول البنيوية، يبقى ملف الودائع في صلب النقاش المالي والاقتصادي، كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول المسار الذي سيسلكه مصرف لبنان في المرحلة المقبلة، وإمكان إدخال تعديلات على سقوف السحوبات قد تعيد رسم العلاقة بين المصارف ومودعيها.

تمديد التعميمين 158 و166

من هذا المنطلق، يؤكد عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي أنيس أبو دياب لصحيفة «اللواء» أنه «صدر عن مصرف لبنان بيان مدّد بموجبه العمل بالتعميمين رقم 158 و166 لمدة سنة إضافية اعتبارا من مطلع شهر تموز. وأوضح البيان أنه لم يتم رفع سقوف السحوبات، ما يعني استمرار العمل بالآليات الحالية حتى انتهاء فترة التمديد. كما رفع المصرف المركزي السقف الأقصى للاستفادة من التعميم 158 من 50 ألف دولار إلى 55 ألف دولار، بما يتيح للمستفيدين الاستفادة من الزيادة حتى نهاية تموز 2027. كذلك، تم رفع السقف الإجمالي للمبالغ المسحوبة بموجب التعميم 166 من 9600 دولار إلى نحو 13 ألف دولار، على أن يمتد العمل بهذا التعديل أيضاً حتى نهاية تموز 2027».

نقاش قائم وإمكانات محدودة

وفي سياق متصل، يعتبر أبو دياب أنه «فعليا، فإن أي زيادة في سقوف السحوبات من شأنها أن تساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتحفيز الاستهلاك، ولا سيما في ظل التراجع المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة. لكن يبقى السؤال الأساسي: هل تسمح الإمكانات المتاحة، في ظل حجم الاحتياطي المتبقي واستنزاف جزء منه خلال فترة الحرب، للمصرف المركزي، بالتعاون مع المصارف التجارية، برفع سقوف السحوبات؟».
ويضيف: «هذا الملف طُرح بالفعل للنقاش داخل مصرف لبنان، حيث دارت مداولات حول إمكانية زيادة قيمة السحوبات الشهرية بموجب التعميم 158 إلى ما بين 1200 و1300 دولار، ورفع السحوبات ضمن التعميم 166 إلى نحو 800 دولار شهريا. إلّا أن هذه الطروحات لم تُترجم حتى الآن إلى قرارات رسمية، ما يعكس استمرار الحذر في مقاربة هذا الملف المرتبط مباشرة بحجم السيولة المتاحة والقدرة على المحافظة على الاستقرار النقدي خلال المرحلة المقبلة».
ويتابع: «لكن، وللأسف، لا تبدو هناك في الوقت الراهن أي إمكانية فعلية لرفع سقوف السحوبات، سواء لدى مصرف لبنان أو لدى المصارف التجارية. فالمعطيات المالية المتوافرة والضغوط المستمرة على السيولة والاحتياطات تجعل من الصعب اتخاذ خطوة من هذا النوع، على الرغم من الحاجة الاقتصادية إليها وانعكاساتها الإيجابية المحتملة على الاستهلاك والنشاط الاقتصادي».

هل ترتفع السحوبات؟

وعن القيود الاقتصادية والنقدية التي تحدّ من قدرة مصرف لبنان على توسيع سقوف السحوبات، يوضح الخبير الاقتصادي أن «الاحتياطات بالدولار لدى مصرف لبنان كانت تشهد تراكما تدريجيا بين عامي 2023 و2026، ما كان يفتح المجال نظريا أمام إمكانية رفع سقوف السحوبات. إلّا أن دخول لبنان في الحرب المستمرة حتى اليوم غيّر المعادلة بشكل كبير».
ويشير أبو دياب إلى أن «الحرب ترافقت مع تراجع الحركة السياحية وانخفاض مستوى النشاط الاقتصادي، ما انعكس سلبا على تدفقات العملات الأجنبية. كما شهدت الصادرات تراجعا ملحوظا مقابل ارتفاع الواردات، الأمر الذي أدّى إلى اتساع العجز في الميزان التجاري».
ويضيف أن «العجز التجاري خلال الربع الأول من العام الحالي تجاوز 4.5 مليارات دولار، وهو مستوى تخطّى العجز المسجل في عام 2019، ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد اللبناني».
ويخلص إلى أن «الواقعين النقدي والاقتصادي لا يتيحان في المرحلة الراهنة أي هامش لرفع سقوف السحوبات، سواء من قبل مصرف لبنان أو المصارف التجارية».

احتساب التعميمين يفتح جدلاً جديداً!

من جهة أخرى، يعتبر أبو دياب أنه «إلى جانب القيود الاقتصادية والنقدية، تبرز قيود قانونية لا تقلّ أهمية، إذ كان مشروع قانون استرداد الودائع والفجوة المالية يتضمن بندا يشير إلى توزيع مبلغ 100 ألف دولار على أربع سنوات من دون احتساب التعميمين 158 و166. في المقابل، يطالب مصرف لبنان باحتساب المبالغ المصروفة بموجب هذين التعميمين ضمن سقف الـ100 ألف دولار، وهو ما شكّل نقطة خلاف مع صندوق النقد الدولي نظراً لتداعياته على مسار الإصلاحات المالية».
ويتابع: «بعد التعديلات التي أدخلت على المشروع، تم تجاوز جزء من الإشكالية، غير أن النقاش لا يزال مفتوحا حول ضرورة إعادة مقاربة هذا البند، عبر احتساب التعميمين ضمن السقف المحدد. وفي حال اعتماد هذا التوجه مستقبلا، ومع بقاء القانون غير مُقر بصيغته النهائية، قد يُعاد النظر في آلية التوزيع أو في رفع السقوف بما يواكب سقف الـ100 ألف دولار على مدى أربع سنوات».

التعميمان كحلّ مؤقت للأزمة المصرفية؟

وفي ختام حديثه، يقول أبو دياب إنه «بدون أدنى شك، يعتبر استمرار الاعتماد على التعميمين 158 و166 حلا مؤقتا وقابلا للاستمرار في المرحلة الراهنة، في ظل غياب البدائل بانتظار إقرار القوانين المرتبطة باسترداد الودائع والانتظام المالي، إضافة إلى قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وبانتظار إقرار هذه التشريعات، يبقى العمل بهذين التعميمين الخيار الأنسب للمساهمة في إعادة جزء من أموال المودعين وتحفيز الحركة الاقتصادية والنشاط الاستهلاكي. إذ إن غيابهما كان سيؤدي إلى تراجع أكبر في مستوى الاستهلاك وانخفاض إضافي في القدرة الشرائية، ما كان سيعمّق الأزمة الاقتصادية والمصرفية القائمة».
وعليه، يختم: «يرى متابعون أن لا بديل حاليا عن الاستمرار بتطبيق هذين التعميمين كإجراء انتقالي يخفّف من حدّة الأزمة، ريثما تنضج الحلول التشريعية المطلوبة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية، وهي عملية تحتاج إلى مزيد من الوقت والمعالجات المتدرجة».