بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 حزيران 2026 12:10ص السعودية في النظام الدولي المتحوِّل: من إدارة التوازنات إلى صناعة التأثير العالمي

حجم الخط
يمثل نهج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مرحلة تحول مهم في مسار السياسة الخارجية السعودية، حيث أعادت المملكة تموضعها داخل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتسم بتغيرات متسارعة، وانتقال واضح نحو نظام دولي أكثر تعددية وتشابكًا، تتداخل فيه اعتبارات السياسة بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن.
في هذا السياق، لم يعد الدور السعودي محصورًا في إدارة التوازنات الإقليمية فحسب، بل بات أكثر حضورًا وتأثيرًا في صياغتها وتوجيه مساراتها، ضمن رؤية استراتيجية تقوم على الربط بين الاستقرار الداخلي وتعزيز الفاعلية الخارجية وتوسيع نطاق التأثير في البيئة الدولية.
ويستند هذا التحول إلى مسار تاريخي ممتد منذ تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، مرورًا بمراحل متعاقبة في عهد الملوك: الملك سعود، الملك فيصل، الملك خالد، الملك فهد، والملك عبدالله، حيث تشكلت السياسة الخارجية السعودية على أسس دعم القضايا العربية والإسهام في استقرار الإقليم، مع تطور تدريجي في الحضور والدور الدولي للمملكة.
ومع المرحلة المعاصرة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، شهد هذا الدور تطورًا نوعيًا في الأدوات والآليات، إذ لم يعد مقتصرًا على الدبلوماسية التقليدية، بل امتد ليشمل أدوات اقتصادية وتنموية واستثمارية، ما عزز من قدرة المملكة على التحرك في ملفات إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا.
يتولى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قيادة التحول الاستراتيجي عبر رؤية السعودية 2030، التي أعادت صياغة أولويات الدولة نحو التنويع الاقتصادي، وتعزيز القوة الناعمة، وتوسيع نطاق التأثير الدولي من خلال الاستثمار والمشاريع الكبرى، وإعادة تشكيل صورة المملكة كفاعل عالمي مؤثر في الاقتصاد والسياسة.
ومنذ عام 1948، اتخذ الموقف السعودي تجاه القضية الفلسطينية طابعًا ثابتًا ضمن الإطار العربي العام، سياسيًا وماليًا، في سياق تحولات كبرى أعقبت الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وإعادة تشكيل النظام الدولي. وقد رسّخ هذا الموقف قناعة استراتيجية مفادها أن استقرار المنطقة يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمعالجة القضية الفلسطينية، والالتزام بمبادرة بيروت عام 2002، بما يضمن تحقيق حل عادل وشامل يعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
كما برزت مواقف عربية متبادلة كان للمملكة فيها حضور فاعل، من بينها دعم جمهورية مصر العربية في محطات مفصلية عام 1956 و1967 و1973، في ظل التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الباردة وإعادة تشكل موازين القوى الإقليمية والدولية.
وفي الحالة اللبنانية، برزت الأزمات الممتدة منذ عام 1975 حتى اليوم كنموذج واضح لتداخل العوامل الداخلية مع التنافسات الإقليمية والدولية، حيث اضطلعت المملكة بدور دبلوماسي وإنساني في دعم جهود الاستقرار ووقف النزاعات وإعادة الإعمار.
أما حرب الخليج عام 1990، فقد شكلت نقطة تحول كبرى في بنية الأمن الإقليمي بعد الغزو العراقي للكويت وما ترتب عليه من تهديد مباشر لاستقرار المنطقة، حيث شاركت المملكة في جهود إقليمية ودولية لإعادة التوازن ومنع انهيار النظام الإقليمي.
وفي أزمات لاحقة مثل سوريا واليمن والسودان، اتخذت الصراعات أبعادًا أكثر تعقيدًا وتشابكًا، خاصة في ظل بروز قوى إقليمية ذات نفوذ جيوسياسي واسع ومتنامٍ، ما أدى إلى تعقيد المشهد الإقليمي وفرض مقاربات سياسية وإنسانية وأمنية متعددة المستويات.
لقد شكّل الأمير محمد بن سلمان مسارًا تحوليًا واسعًا أسهم في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية والدولية وإعادة تعريف أدوار الفاعلين في المنطقة.
وقد أسهم هذا التحول في انتقال السياسة الخارجية السعودية من نمط التفاعل مع الأحداث إلى نمط المبادرة وصناعة الشراكات، مع توظيف الاقتصاد كأداة تأثير محورية في العلاقات الدولية.
ويتمثل الدور السعودي اليوم في معادلة متوازنة تجمع بين مواجهة التحديات الجيوسياسية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وضمان أمن الطاقة والممرات البحرية، وبناء شبكة علاقات دولية متعددة الاتجاهات تعكس استقلالية القرار وتنوع الشراكات.
وفي ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، لم يعد مفهوم القوة مرتبطًا بالقدرات العسكرية أو السياسية التقليدية فقط، بل بات يقاس بمدى القدرة على إنتاج الاستقرار وصناعة التأثير في مساراته.
وتعكس السياسة الخارجية السعودية اليوم انتقالًا واضحًا من الاستجابة للأزمات إلى المشاركة الفاعلة في صياغة بيئة صنع القرار الدولي عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية واستثمارية أكثر تنوعًا وفاعلية.
إن استقرار الدول العربية ورفاهية شعوبها مسؤولية مشتركة، وأمنها جزء لا يتجزأ من الأمن العربي العام، في ظل وحدة المصير والتحديات المشتركة.
يتجاوز الدور السعودي الإطار الإقليمي التقليدي، ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي في عالم تتغير فيه مراكز التأثير وتتداخل فيه القوى بشكل غير مسبوق، ما يجعل المملكة أحد الفاعلين البارزين في صياغة المرحلة الدولية المقبلة.