بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 حزيران 2026 12:30ص وداعاً لويلات الحرب.. حيَّ على السلام والفلاح

حجم الخط
قبْل أن يزور الرئيس دونالد ترمب يوم الأربعاء 13 أيار 2026 بكين ويُجري تلك المحادثات الصعبة مع رئيسها شي جين بينج أعقبتْها بعد أسبوع قمة سوفياتية – صينية، مرت شهور صعبة على العالم من حيث إضطراب الأسواق وإختصار الإنفاق خشية أن تتطور المواجهة الأميركية – الإسرائيلية فلا تبقى مجرد جولات صاروخية متبادَلة مع إيران شاملة قواعد أميركية في بعض دول الخليج. وتلازمت مع أيام من الشعور الصعبة مخاوف من أن يتطور منسوب التحدي ويعيش العالم مِن أقصاه إلى أقصاه إحترابات تفرضها التحديات.
وهذا الشعور بالمخاوف بدأ يأخذ مكانه على المستوى الدولي عندما فاجأ الرئيس الصيني العالم بمشهد له أشبه بلوحة كوَّنتها ريشة رسَّام، ويتمثل بجلوسه بزي مدني عبارة عن قميص مِن دون الكميْن محاطاً بكبار جنرالات جيشه ووراءهم بثمانية صفوف منتظمة قادة الأسلحة على أنواعها.
كانت الصورة التي بثتها الوكالة الصينية (شيخوا) غير مسبوقة عسكرياً بهذه الدقة في ظهور القيادات على أنواعها. لكن الأكثر لفتاً للإنتباه كان كلام الرئيس الصيني في المناسبة وجاء مِن نوع «ما قلَّ ودلَّ وفي ثلاث عبارات هي: «دخل العالم حقبة جديدة مِن الإضطرابات والتغيير وأصبح الوضع الأمني في بلادنا أكثر إضطراباً» و»مِن الضروري تعميق التخطيط للحرب وللقتال والتركيز على التدريب العسكري للقتال الفعلي وتسريع تحسين قُدرتنا على الإنتصار». وأما الثالثة والتي كانت أشبه بصاعقة تتأثر منها دول العالم وليس الصين فقط فكانت «على الجيش أن يرفع قدرة قادة اللجان الحزبية على الإستعداد للحرب والمعركة...».
في القراءة المتأنية للعبارات التي أوردها الرئيس الصيني في كلمته أن خشيته مِن مفاجأة  خطْف تايوان مِن الوطن الأكبر قد تحدُث كأن تكرر إدارة الرئيس ترمب المغامرة التي أقدمت عليها وإنتهت بإختطاف رئيس فنزويلا مادورو وزوجته وإقتيادهما مكبَّليْ الأيدي إلى السجن في نيويورك. وبالنسبة إلى تايوان فإن ما يخشاه الرئيس الصيني هو إختطافها بالكامل بمعنى أن تحتل قوات أميركية الجزيرة، وفي هذه الحال إن الصين الأم التي لا تتحمل فقدان «إبنتها الضالة» تبادر إلى الحرب ولديها مِن أنواع السلاح ما لدى الإدارة الترمبية. وإستناداً إلى ما قاله الرئيس الصيني في كلمته لجنرالات الجيش، فإن المواجهة في حال حدوث ذلك ستتطور وستصبح مياه بحر الصين حمراء مِن كثرة الدم الذي سيراق.
قبْل أن يزور ترمب الصين يوم الأربعاء 13 أيار 2026 كان يتوقع إستقبالاً رسمياً مثْل ذلك الإستقبال الذي لقيه مِن الملك شارل عندما زار بريطانيا وفيما لا يزال رافعاً مستوى التحدي الحربي لإيران، وإفترض أن ببعض مِن الكلام الودي قاله مثْل «إن شي جين بينغ قائد ذو مكانة إستثنائية» سيضفي المزيد مِن التكريم الصيني له فضلاً عن تعزيز وجود الشركات الأميركية في الصين وإنشاء «مجلس تجارة» يعالج الخلافات عند نشوئها، وهذا يفسر إصطحاب ترمب معه في زيارته التي هي الأُولى لرئيس أميركي منذ العام 2017 مجموعة من المسؤولين التنفيذيين وفي تصوُّره أن الرئيس الصيني سيقرأ النوايا على النحو المطلوب.
ما حدَث أن الإستقبال لم يأتِ على ما يتمناه ترمب، حيث إقتصر لدى وصوله ثم عند التوجه إلى قصر الحُكم الصيني على جمْع من الفتية والفتيات الشابات يهتفون باللغة الصينية رافعين  الأعلام مهللين مبتسمين، وكأنما ينفِّذون بدقة تعليمات البروتوكول لهم. وهذا حدَث لدى وصوله ولا بد تَسبب بصدمة كون الذي إستقبله في المطار لم يكن الرئيس الصيني الذي إكتفى بإستقباله على مدخل قصر الحُكم قبْل أن تبدأ المحادثات ويسمع الرئيس ترمب عبارات من الرئيس الصيني غير التي توقَّع سماعها.
اللافت أكثر من ذلك أن دفء الترحيب الذي لم ينله ترمب مِن رئيس الصين ناله الرئيس فلاديمير بوتين الذي زار بكين يوم الأربعاء 21 أيار 2026 بعد أسبوع من زيارة ترمب ومصادفة أنها كما زيارة ترمب حدثت يوم الأربعاء أيضاً.
أما كيف جاءت ملامح الترحيب فمن خلال بيان مشترك كانت بعض عباراته واضحة لجهة القول للرئيس ترمب ما معناه مِن الأفضل أن تعيد النظر في تحدياتك وتعديل أسلوب الإنفراد، دون أخْذ مصالح الدول والشعوب، في الخيار الحربي في منطقة الشرق الأوسط كي لا تصل التطورات إلى حرب دولية شاملة. ومِن العبارات التي يضع شعوب العالم وحكامه خطوطاً باللون الأحمر الفاقع تحتها ما جاء في البيان الصيني – الروسي وبالتحديد «إن الوضع العالمي يزداد تعقيداً وأجندة السلام والتنمية تواجه مخاطر وتحديات جديدة. وهناك خطر يتمثل في تَفكك المجتمع الدولي والعودة إلى شريعة الغاب...». وتحاشياً منهما لعدم رفْع منسوب التحدي فإنهما صاغا بكثير من التأني عبارة في بيانهما المشترك جاءت على النحو الآتي: «إن محاولات بعض الدول (وطبعاً الولايات المتحدة وليست سويسرا مثلاً) إدارة الشؤون العالمية بشكل أحادي وفرْض مصالحها على العالم بأسره والحد من التنمية السيادية للدول الأُخرى بروح الحقبة الإستعمارية قد باءت بالفشل...». وتلك العبارات ينطبق عليها التعبير الشعري «إن اللبيب من الإشارة يفهم».
هنا نرى بصمة للموقف الصيني – الروسي إلتقى فيها الجانبان الأميركي والإيراني على ضرورة التوصل إلى تسوية يرتاح لها الخصمان اللدودان ولا تندرج على نحو ما كانت خطة ترمب – نتنياهو المنطبق عليها القول الشعري «يرضى القتيل وليس يرضى القاتل» أي تخضع إيران للأمر الواقع الترمبي – البنياميني ويُسدَل الستار على أكثر الحروب بشاعة. وهنا يسْهل تفسير ما قاله الرئيس الصيني ومِن قبْل زيارة ترمب ثم بوتين وبالذات مخاطبة جيش الصين «على الجيش أن يرفع قدرة قادة اللجان الحزبية على الإستعداد للحرب والمعركة...».
ما يمكن إستخلاصه مِن طبيعة التطورات التي حدثت على مدى ثلاث سنوات في منطقة الشرق الأوسط أن إرادة الحرب عامل ذاتي لا علاقة للشعوب بها، وأن ما إنتهت إليه الحرب الأميركية – البنيامينية ضد إيران لم تكتسب الإرادة الشعبية ذلك أن الشكوى شعبياً منها كانت واضحة بدليل أنها إستمرت حرب النظام  غير المغطى بالمساندة الشعبية. ومن أجْل ذلك فإن الشعوب المتأثرة بتلك الحرب في إنتظار مَن يعوِّضها بضعة أشهر من الخوف وتحوُّل الأحلام إلى كوابيس وضيق العيش بدل الفرح وإعادة بناء ما تم تدميره والقول بعد الآن وداعاً للحروب التي تتسم بعدم التبصر وشموخ الذات على حساب مصلحة الوطن. وهذا مأمول حدوثه مِن بوتين وحربه المستمرة مع أوكرانيا لأن مَن ينصح ويحذِّر كما حدَث بالتنسيق مع حليفه الصيني مُطالَب بأن يُنهي حرباً مع أوكرانيا هي في بعض دواعيها توأم حرب ترمب – نتنياهو ضد إيران.
والله الشاهد والمعين.