أثار كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكرر عن إمكانية إسناد مهمة «تولي أمر حزب الله» إلى سوريا، موجة واسعة من ردود الفعل السلبية في الأوساط السياسية والشعبية اللبنانية. ولم يكن سبب هذه الحساسية مرتبطاً بمضمون الطرح فحسب، بل بما استحضرته هذه التصريحات من ذكريات مؤلمة، تعود إلى مرحلة الوصاية السورية على لبنان، وما رافقها من انتهاكات سياسية وأمنية تركت آثاراً عميقة في الوعي اللبناني.
فالكثير من اللبنانيين عادوا بالذاكرة إلى مطلع التسعينيات، عندما سمحت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس جورج بوش الأب، للنظام السوري آنذاك بتعزيز هيمنته على لبنان، في سياق التفاهمات الإقليمية التي أعقبت مشاركة دمشق في التحالف الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي. ومن هذا المنطلق، بدا كلام ترامب بالنسبة إلى عدد كبير من اللبنانيين، وكأنه استعادة لمنطق المقايضات الإقليمية التي كانت تتم على حساب سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني.
وتكتسب هذه التصريحات حساسية إضافية لأنها تمنح حزب الله مادة سياسية وإعلامية لتبرير تمسكه بسلاحه. فالحزب لطالما تحدث عن مخاطر أمنية محتملة على الحدود الشرقية، ويجد في أي حديث عن دور سوري داخل لبنان دليلاً إضافياً على صحة هواجسه، خصوصاً في ظل التوترات المتراكمة منذ الحرب السورية، والدور الذي لعبه الحزب إلى جانب النظام السابق في مواجهة فصائل المعارضة المسلحة.
في المقابل، لا يبدو أن الطرح الأميركي ينسجم مع الوقائع السياسية الجديدة في دمشق. فالرئيس السوري أحمد الشرع أكد في أكثر من مناسبة، رفضه التدخل في الشؤون اللبنانية، وشدد على أن بلاده لا تسعى إلى استعادة أي دور وصائي أو أمني داخل لبنان. كما نقل المسؤولون اللبنانيون الذين التقوه تأكيده التزام مبدأ الاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وإقامة علاقات طبيعية ومتوازنة تقوم على عدم تدخل أي طرف في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
إن أخطر ما في كلام ترامب ليس في مضمونه العملي، لأن الظروف الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بإعادة إنتاج الوصايات القديمة، بل في الرسالة السياسية التي يوحي بها، وكأن لبنان لا يزال ساحة مفتوحة لتقاسم الأدوار والنفوذ بين القوى الخارجية.
كما أن تصريحات الرئيس الأميركي تبدو متناقضة مع المواقف الأميركية المعلنة منذ سنوات، والتي تؤكد دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ومساندة الجيش اللبناني، وتشجيع السلطات اللبنانية على بسط سيادتها على كامل أراضيها. فمعالجة قضية حزب الله، سواءٌ اتفق اللبنانيون أو اختلفوا حول مقاربتها، تبقى مسؤولية لبنانية بالدرجة الأولى.
لا بد من التأكيد مرة أخرى أن مسألة حصرية السلاح، والإمساك بقرار الحرب والسلم، واستعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري، ليست مهمة سورية ولا إسرائيلية ولا أميركية، بل مسؤولية وطنية لبنانية يجب أن تُنجزها الدولة اللبنانية نفسها، بدعم الأشقاء والأصدقاء، وفي إطار المؤسسات الدستورية والحوار الوطني، وليس عبر إسنادها إلى أي طرف خارجي.