فاروق غانم خداج
أهداني صديقٌ بيروتي نسخةً من كتاب «تاريخ بيروت» للصحافي والمؤرخ الراحل سمير قصير. ومنذ الصفحات الأولى، بدا لي أنني لست أمام كتاب تاريخ تقليدي، بل أمام محاولة لفهم مدينة تتغيّر باستمرار وتعيد تشكيل هويتها عبر الزمن.
لكن السؤال الذي رافق القراءة كان أبعد من النص نفسه: كيف نقرأ تاريخ مدينة حين يرتبط اسم مؤلفها بذاكرتها المؤلمة، بعد أن اغتيل في شوارعها عام 2005؟
لم تكن واقعة الاغتيال مجرد تفصيل في سيرة الكاتب، بل عنصراً ينعكس على قراءة الكتاب نفسه. فالمؤلف الذي أمضى سنوات في دراسة تاريخ بيروت، غاب قبل أن يرى أثر عمله مكتملاً في الوعي العام، وكأن النص بقي مفتوحاً على مصيره ومصير المدينة معاً.
بيروت: مدينة تتكوّن عبر الزمن
يتعامل سمير قصير مع بيروت باعتبارها مدينة لا تُفهم كجغرافيا ثابتة، بل كبنية تاريخية تتكوّن من طبقات متراكمة: المرفأ، المطبعة، المدارس، البعثات، ثم تطوّر الدولة وما رافقه من تحوّلات سياسية واجتماعية.
في هذا الإطار، لا يكتب المؤلف مجرد تاريخ مدينة، بل يقدّم قراءة لفكرة المدينة نفسها، حيث تصبح بيروت مساحة للتجربة العربية مع الحداثة، بما تحمله من انفتاح وتناقض في الوقت نفسه.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل كانت بيروت مدينة استثنائية في مسارها التاريخي، أم أنها تعكس بشكل واضح طبيعة التناقضات في المنطقة؟
قراءتان للتاريخ
يميل سمير قصير إلى إبراز صورة بيروت كمدينة سبقت محيطها في بعض مراحل الحداثة، قبل أن تتعطل مسيرتها بفعل الحرب.
في المقابل، تشير قراءات أخرى، مثل ما يطرحه كمال الصليبي، إلى أن التكوين الاجتماعي والسياسي في لبنان كان يحمل منذ البداية عوامل توتر داخلية، وأن الحرب لم تكن حدثاً مفاجئاً بقدر ما كانت نتيجة تراكمات طويلة.
بين هذين المنظورين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل الحرب أوقفت مساراً حداثياً طبيعياً، أم أنها كشفت بنية تاريخية كانت تحمل أسباب أزمتها منذ البداية؟
أسلوب الكتاب
يمتاز أسلوب سمير قصير بالجمع بين الدقة التاريخية واللغة الصحفية الواضحة. فهو لا يكتب بلغة معقّدة، بل بأسلوب مباشر يجعل القارئ قريباً من الحدث ومن المدينة في آن واحد.
كما أن المدينة في كتابه ليست موضوعاً جامداً، بل كياناً حيّاً يتأثر بالتاريخ ويؤثر فيه، ما يجعل العمل أقرب إلى قراءة تحليلية في تطوّر المدن منه إلى سرد تاريخي تقليدي.
غياب لا يُلغي الحضور
رغم أن المؤلف لم يعش ليرى كامل أثر كتابه، فإن غيابه لم يُضعف حضوره، بل زاد من حضور العمل نفسه. فقد أصبح الكتاب جزءاً من الأسئلة التي يثيرها حول بيروت ومعناها وتحوّلاتها.
وهكذا يتحوّل «تاريخ بيروت» إلى نص يقرأ المدينة، وفي الوقت نفسه يعكس صعوبة الإمساك بها بشكل نهائي.
خاتمة
لا يقدّم سمير قصير بيروت كصورة مكتملة، بل كمدينة في حالة تغيّر دائم، تتداخل فيها الذاكرة مع الواقع، والتاريخ مع الاحتمال.
ولعلّ أهم ما يطرحه هذا الكتاب أنه لا يمنح إجابات نهائية، بل يعيد فتح السؤال حول المدينة ومعناها في كل مرحلة تاريخية جديدة.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني