بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 نيسان 2026 12:00ص رئيس الكلام، كلام الرئيس

حجم الخط
تعود الى الواجهة، وهذا العام أكثر بكثير من سابقاتها، قضية الايجارات، مع تفاقم أزمة اجتماعية مستجدة ظهرت، وسوف تظل ظاهرة باستمرار وبكثافة، للاسف، ألا وهي ظاهرة النزوح الجماعي القسري الناجم عن الحرب المؤخرة التي شنّت على لبنان.
ان معضلة الايجارات ليست جديدة في لبنان، مع صدور أولى القوانين (الاستثنائية) في خمسينيات القرن الماضي حيث لطالما كانت توصف قوانين الايجارات الصادرة بـ (الاستثنائية).
فان كان مع بداية الحرب في لبنان مطلع العام 1975 وصولا الى الحرب الأخيرة في العام الجاري 2026، لا تزال النتائج الاجتماعية هي هي، لم تتغيّر ولم تتبدّل: نزوح وتهجير قسريان يدفع ثمنهما مواطنون أبرياء لا يطمعون إلّا الى العيش بسلام وأمن وكرامة، كما لو ان تلك الحياة التي يطمحون إليها ويطمعون بها لم تكن يوما حقا من حقوقهم البديهية الطبيعية.
ان ما تغيّر فقط، بين العامين 1975 و2026 هو ربما نوع السلاح المستخدم لا غير، وليس النيّة الإجرامية في حد ذاتها، النابعة من تدخّل خارجي يتمحور حول انقسامات في مطامع داخل لبنان وفي أراضيه وثرواته وثقافته وتاريخه وحاضره ومستقبله. فبدلا من استخدام البنادق والدبابات التي باتت اليوم توصف بالتقليدية، بسبب التطور التكنولوجي الواسع الأفق والفائق المدى الحاصل في أنواع الأسلحة والابتكارات الحربية، باتت الدول اليوم تلجأ الى الصواريخ والى سلاح الجو المتكامل المتطور والأكثر فعالية ودقّة من أي سلاح آخر ومن أي وقت مضى. كما لو أنهم نسوا، لا بل تناسوا، بأن رصاصة واحدة بوزن خمسين غراما كافية لقتل الإنسان.
بيد أن الظروف بأكملها قد تغيّرت وتبدّلت، وان جاز التعبير، تبدّدت مع اكتشاف ثروات أرضية جديدة لا تلبث سوى أن تزيد الإنسان القوي قوة وطمعا واستبدادا وإرادة أكثر صلابة في السيطرة على تلك الثروات، بهدف السيطرة على العالم بأسره وبأثره وبثرواته.
أين تصبح القضايا (المحلية) في ظل كل هذا العالم المتغيّر، لا بل السريع التغيّر والتطوّر والتبديد؟
ان القضايا المحلية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، قضايا الايجارات، وتحديدا في لبنان، من شأنها تنظيم علاقات اجتماعية وقانونية واقتصادية وسياسية حتى، نعم سياسية، لطالما احتواها الشك والخلاف والتظلّم والتذمّر والفوضى وغياب العدل والمنطق والمساواة.
فبعد مرور 23 عاما على صدور آخر قانون للايجارات، في العام 1992، صدر قانون جديد في العام 2014 في محاولة لإعادة التوازن والحق والعدل بين حقوق ومصالح سادت بينها الموازاة والتفرقة وقلّة التلاقي والحوار والتفاهم بغية محاولة إيجاد الحلول المناسبة. إذ أنه بين هؤلاء العامين، العام 1992 والعام 2026 لم تسد إلّا الفوضى وغياب أي منطق. ففي كل مرة كان يحاول فيها المالك، على سبيل المثال لا الحصر، استرداد مأجوره، وعلى سبيل المثال كذلك، للضرورة العائلية، كان عليه أن يدفع الى المستأجر بدل إخلاء يسمّى بالخلو يصل الى نسبة 40% (أربعون بالمائة) من ثمن المأجور كما لو كان شاغر، إضافة طبعا الى وجوب الأخذ في الاعتبار عناصر واقعية أخرى وضرورية كمساحة المأجور وحالته والمنطقة المتواجد فيها، بحسب معطيات ودلائل وأدلة ومرتكزات يوضحها للقاضي أهل الفن والخبرة في المجال العقاري.
ومع صدور القانون الأخير في العام 2014 والذي تعدّل في العام 2017 نجد أن مشكلة معضلة الايجارات لم تتغيّر ولم تتبدّل وإنما تبدّدت مع وجود عشرات الآلاف من الأبنية القديمة المتصدّعة المهدّدة بالانهيار، مرورا بأحكام وبنود ومواد القانون الجديد للايجارات المعدّل، وكما سبقت الإشارة، الصادر في العام 2017 ، لكونه احتوى على مواد متناقضة، وربما في بعض الأحيان، غير عادلة، ان كان في حق المالك أو في حق المستأجر، وصولا الى النزوح القسري الجماعي الحالي (المقدّر بعدد 1200000 «مليون ومائتي ألف») نازح نتيجة الحرب الأخيرة على لبنان التي بدأت في الثاني من شهر آذار من العام 2026.
ان المقصود بعنواننا (رئيس الكلام، كلام الرئيس) ليس ذلك العائد لفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، رغم أن كلام فخامته يعلو على كل كلام، ولكونه سيد من تكلم وسيد من قرر وسيد من فعل، وإنما هو الكلام الصادر عن حضرة القاضي المنفرد المدني الناظر في قضايا الايجارات، في جميع المحافظات اللبنانية الست، لان لكلام كهذا، ونقصد هنا الحكم القضائي الصادر عنه، الأهمية القصوى والهامة لا بل الأهم في ظل غموض النص حيث يكون من واجب القاضي، تحت طائلة اعتباره مستنكفا عن احقاق الحق، تفسير النص بالمنحى والمعنى الهادفين الى تحقيق العدل والمساواة بين الناس.
فكلام فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية له وقعه على الأمة وعلى الشعب وعلى البلاد وعلى الوطن بأكملهم، في ظل التجاذبات والانقسامات والتهديدات والصراعات الإقليمية والدولية المتحكّمة بمصائر شعوب ودول بأكملها، بينما كلام حضرة قاضي الايجارات سوف يكون له وقعه على إعادة التوازن، وليس الموازاة وحسب، في قضية هامة من القضايا الاجتماعية التي بفضلها وعبرها يعاد التناغم، ان جاز التعبير، بين حقوق يدعي المالك أنها مأكولة عليه، وبين حقوق يدعي المستأجر أنها مسلوبة منه.
فيا حضرة القاضي الناظر في قضايا الايجارات، وفي ظل قانون أمسى في حاجة ضرورية وماسّة الى التفسير والتعديل والتحديث والتطوير، الكلام لحضرتك، لان الكلام كلام الرئيس وحضرتك رئيس الكلام.

الدكتورة سلوى شكري كرم
المحامي ملحم مارون كرم