بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 حزيران 2026 12:30ص مذكَّرة التفاهم: لبنان وحسابات الربح والخسارة

حجم الخط
أخيراً، أُعلن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بعد أشهر طويلة من المفاوضات الشاقة والتجاذبات السياسية والأمنية. إلا أن الغموض الذي لا يزال يحيط ببنود الاتفاق وتفاصيله التنفيذية يجعل من الصعب إصدار أحكام نهائية حول نتائجه وانعكاساته على المنطقة. ومع ذلك، فإن قراءة أولية للمشهد تسمح بتحديد أبرز عناصر الربح والخسارة لدى طرفي النزاع، كما تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل السياسة الإيرانية تجاه دول الجوار العربية، ومصير الأذرع العسكرية المرتبطة بها في أكثر من ساحة إقليمية.
من الواضح أن الإدارة الأميركية حققت هدفاً أساسياً يتمثل في تجنب مواجهة عسكرية واسعة في الخليج والشرق الأوسط، وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة، خصوصاً على أسواق الطاقة والملاحة الدولية. كما أن الاتفاق يمنح واشنطن فرصة لإخضاع البرنامج النووي الإيراني لآليات رقابة وضبط تحدٍّ من احتمالات التصعيد مستقبلاً، والوصول إلى السلاح النووي.
في المقابل، نجحت إيران في انتزاع اعتراف أميركي بدورها الإقليمي وبحقها في الجلوس على طاولة التفاوض كخصم لا يمكن تجاوزه. كما أن طهران تراهن على أن يؤدي الاتفاق إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والمالية التي أثقلت الكاهل الإيراني خلال السنوات الماضية، وأدت إلى نشوء بيئة داخلية متوترة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالشق النووي أو الاقتصادي، بل بمستقبل السلوك الإيراني في المنطقة. فالمشكلة الأساسية التي أقلقت دول الخليج والدول العربية لم تكن يوماً محصورة بالبرنامج النووي، بل تمثلت في سياسة الهيمنة الإقليمية عبر دعم مجموعات مسلحة تعمل خارج سلطة الدول ومؤسساتها الشرعية.
من هنا، فإن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بمدى التزام طهران ببنوده التقنية، بل بمدى استعدادها للانتقال من منطق النفوذ العسكري إلى رحاب العلاقات الطبيعية مع محيطها العربي. فاستعادة الثقة الخليجية تتطلب خطوات عملية تؤكد احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ووقف استخدام الساحات العربية أوراقاً في الصراع مع الولايات المتحدة، أو غيرها من القوى الدولية.
أما في لبنان والعراق واليمن، فإن الاختبار الأكثر حساسية يتمثل في مستقبل القوى المسلحة المرتبطة بالمشروع الإيراني. فالمجتمع الدولي والدول العربية باتت تعتبر أن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حصر السلاح بيد الدولة، وتحويل هذه التنظيمات المسلحة إلى أحزاب سياسية مدنية، تعمل ضمن المؤسسات الدستورية وتحت سقف القوانين الوطنية.
لذلك، يبقى الاتفاق الأميركي – الإيراني بداية مسار وليس نهايته. فإذا نجحت طهران في ترجمة التفاهمات الجديدة إلى تغيير فعلي في سلوكها الإقليمي، فقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون. أما إذا بقي الاتفاق محصوراً بالملف النووي وتخفيف العقوبات، مع استمرار السياسات الإيرانية السابقة نفسها، فإن المنطقة ستكون أمام هدنة مؤقتة لا أكثر، فيما ستبقى أسباب التوتر والصراعات قائمة بانتظار جولة جديدة من العنف.