أيام قليلة تفصلنا عن توقيع الإتفاق الإطاري المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا. يستند هذا الإتفاق الى ثلاث مرتكزات أساسية هي: مسألة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً ، فك الحصار عن مضيق هرمز ، تحرير قسم من الأرصدة الإيرانية المجمدة التي تقدر بنحو 100 الى 120 مليار دولار. يمثّل الإتفاق إطاراً سياسياً لوقف الحرب أكثر من كونه تسوية نهائية، إذ تبدأ خلال الأسبوع الجاري جولات تمهيدية لترتيب الملفات الفنية، قبل الإنتقال إلى مفاوضات تستمر لشهرين وتعنى بالقضايا النووية والأمنية والإقتصادية وترتيبات الملاحة في الخليج.
لا شك أن هناك تباينات كثيرة في النظر الى هذا الإتفاق، وقد تكون مرشحة لمزيد من التفاقم مع خروج بنوده كاملة والترتيبات التنفيذية إزاء كلّ منها الى العلن. ففي حين وصّفت الدول الأوروبية الإتفاق بالتاريخي لأنها وجدت في إنهاء الحصار البحري للموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة متنفساً من أزمة الطاقة التي عانتها طيلة فترة الحصار، وخروجاً من حال الإرباك إزاء الضغوط الأميركية عليها للتدخل عسكرياً في الصراع، تبني دول الإقليم مواقفها من الإتفاق وتقييمها للمخاطر المترتبة عليه وفقاً لما ستفضي إليه نتائج مفاوضات الأيام الستين، وما سيصدر عنها من ترتيبات وإجراءات.
إنّ دول الإقليم التي طالما دأبت على محاولة إقناع الولايات المتحدة باعتماد الخيار الدبلوماسي وعدم الذهاب الى الحرب ترحب كسواها بوقف العمليات العسكرية، لكنها لن تقف مكبلة ودون خيارات بديلة ـــــــ لا سيما بعد أن خبرت الحرب وإن يكن من موقع الدفاع ـــــــ و أن تكون خارج التسويات أو أن تدفع أثمان الصفقات التي قد تعقد على حساب مصالحها بين واشنطن و طهران.
لا تتمّ الإتفاقات إلا بين رابحين هذا ما تقتضيه أبسط المسلمات وأولى قواعد النجاح في التفاوض. ترى الولايات المتحدة في الإتفاق نجاحاً في وقف التخصيب النووي وفي منع طهران من امتلاك سلاح نووي ومن فرض أمر واقع في مضيق هرمز،كما أنها لن تفرج عن الأموالها المجمدة إلا بمقدار التزام طهران بتنفيذ ما تعهدت به. وبمعنى آخر ترى واشنطن أنها تمكنت من إخضاع الجمهورية الإسلامية بعد إقصائها عن كل العناوين التي رفعتها. في حين تنظر طهران الى الإتفاق أنها نجحت في الحفاظ على النظام بالرغم من اغتيال المرشد علي خامنئي وغالبية الصف الأول من أركانه ، وهي ضمنت وقف الحرب الى أجلّ طويل وإنعاش إقتصادها بالرغم من الخسائر الهائلة التي تعرضت لها. وجرياً على قاعدة « الكل رابح» تزامن التزامها بفتح المضيق بإنسحاب القوات الأميركية من محيطه.
في لبنان قراءات متعددة للإتّفاق بما يتسّق مع المواقف المتضاربة من سلاح حزب الله، وبما يحاكي ما تختزه الذاكرة من صفقات إيرانية إسرائيلية تحت مظلة واشنطن منذ إنسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000. ففي حين يلاقي وقف إطلاق النار أحد الشروط التي يتمسك بها الوفد اللبناني المفاوض بالإضافة الى الإصرار على الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة وتحرير الأسرى، يتماهى الرئيس نبيه بري مع حزب الله في نسبة شمول لبنان في الإتفاق الإطار إلى دور طهران.
يشكّل شمول لبنان بوقف بوقف العمليات العسكرية في متن الإتّفاق الإيراني الأميركي أحد الإشكاليات التي سيتم تفسيرها بعد توقيع الإتفاق الإطار ونشره يوم الجمعة المقبل في سويسرا. ففي حين يرى فريق حزب الله ــــــــ بـري أن ذلك يمثّل أحد إنجازات طهران في المجاهرة بتمسكها بسلاح حزب الله، ترى واشنطن أن ذلك لم يكن أكثر من تحفيز معنوي لطهران للمضي في الاتفاق بعد قصف إسرائيل للضاحية الجنوبية، في حين يبقى عدم تطرق الإتفاق الى الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان ونشر الجيش وتطبيق حصرية السلاح شأناً أميركياً ستمسك واشنطن بتفاصيله خلال جلسات التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل.
ينتظر الجميع ما ستؤول إليه المفاوضات التي ستتم بين واشنطن وطهران خلال 60 يوماً بعد توقيع الأطر التنفيذية. ففيما تنظر الدول الغربية إلى الإتفاق كأحد شروط استقرارها الإقتصادي، ترى الولايات المتحدة فيه خارطة طريق لصياغة خارطة الطاقة في العالم، في حين تنظر الدول العربية ومنها لبنان إلى الإتفاق بحذر تمليه ضبابية النص.
فهل يصبح الإتفاق نقطة تحوّل نحو مستقبل أفضل لمنطقة الشرق الاوسط وتحديداً للعلاقات العربية الإيرانية، أم يضاف الى ما سبقه كمرحلة فاصلة بين حربين إحتاجتها كلّ من واشنطن وطهران وفرضتها ظروف الصراع لضرورات متعلقة بكلّ منهما.
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات