نوال أبو حيدر
يشهد لبنان في المرحلة الراهنة موجة متصاعدة من ارتفاع أسعار المحروقات، في ظل تقلّبات حادّة في أسواق الطاقة العالمية وتوترات إقليمية متواصلة، ما أعاد طرح مسألة العلاقة المباشرة بين كلفة الطاقة ومستوى الأسعار في الاقتصاد المحلي. ويأتي هذا التطوّر في وقت يعاني فيه البلد أساساً من أزمة اقتصادية ومالية مستمرة منذ عام 2019، ما يجعل أي تغيّر في أسعار المحروقات أكثر تأثيراً على مختلف القطاعات.
في هذا الإطار، يبرز تساؤل أساسي حول ما إذا كان ما يحدث اليوم يُعدّ نموذجاً واضحاً لما يُعرف بـ«التضخم المدفوع بالطاقة»، حيث تتحوّل أسعار الوقود إلى المحرك الأساسي لارتفاع كلفة المعيشة. كما يطرح ذلك إشكالية العوامل التي قد تسهم في تفاقم هذه الظاهرة في المرحلة المقبلة، ومدى انعكاساتها على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.
جورج البراكس: أرباح ثابتة وسط ارتفاع الكلفة
من هذا المنطلق يؤكد نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس، لصحيفة «اللواء» أن «المعنيون يتفقون في القطاع على أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر تأثيره على كلفة النقل فحسب، بل ينسحب تلقائيا على مجمل أسعار السلع الاستهلاكية بمختلف أنواعها، نظرا لارتباطها المباشر بكلفة الشحن والإنتاج والتوزيع. ولا تقف تداعيات هذا الارتفاع عند المستهلك، بل تطال أيضا محطات المحروقات نفسها، التي تعتمد في تشغيلها اليومي على مجموعة من المستلزمات والخدمات، في مقدمها إنتاج الطاقة، إلى جانب سلع وتجهيزات أخرى شهدت بدورها ارتفاعا ملحوظا في الأسعار، ما يزيد من الأعباء التشغيلية على أصحاب هذه المحطات».
ويتابع: «في المقابل، هامش ربح أصحاب المحطات لا يرتبط بسعر صفيحة البنزين، بل يحتسب وفق آلية ثابتة تعتمد على الكمية المباعة. فبحسب جدول تركيب الأسعار الرسمي، يحصل صاحب المحطة على عمولة محددة عن كل كمية عشرين ليترا، بغض النظر عن سعرها، سواء قبل الارتفاع أو بعده. ما يعني أن زيادة الأسعار لا تنعكس أرباحا إضافية على المحطات، بل تبقي العائدات على حالها، في وقت ترتفع فيه كلفة التشغيل بشكل مستمر».
آلية التسعير.. تخفّف التقلّبات
من جهة أخرى، يوضح البراكس أن «جدول تركيب أسعار المحروقات يعتمد على متوسط أسعار البورصة خلال فترة تمتد لنحو 15 يوما قبل صدوره، ما يجعله أداة تهدف إلى الحد من التقلّبات الحادّة في السوق المحلي. وتساهم هذه الآلية في إبقاء أسعار المحروقات ضمن هامش ارتفاع وانخفاض يعتبر مقبولا نسبيا للمستهلك. إلّا أن اعتماد هذا المعدل الزمني يعني أيضا أن الأسعار في لبنان لا تتفاعل فورا مع تغيّرات السوق العالمية، إذ يتطلب ارتفاع الأسعار أو انخفاضها وقتا حتى ينعكس محليا، تبعا لحركة الأسعار في البورصات العالمية خلال تلك الفترة».
استقرار الإمدادات وتوازن في التسعير
في الإطار عينه، يعتبر البراكس أن «جدول أسعار المحروقات الصادر كل يوم يعكس توازنا بين حماية المستهلك والحفاظ على استمرارية عمل التجار، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد. وفي هذا السياق، تبدو مؤشرات الاستقرار اللوجستي واضحة، إذ لا يزال الخط البحري مفتوحا، وتواصل بواخر الاستيراد دخولها إلى المرافئ، التي تعمل بدورها بشكل طبيعي في استقبال الشحنات. كما تؤكد المعطيات توافر مخزون كافٍ لدى الشركات المستوردة، إضافة إلى خزانات محطات الوقود، وحتى لدى المواطنين. وبذلك، يكون لبنان قد تجاوز المرحلة الأكثر حساسية خلال الشهرين الماضيين بسلاسة نسبية، وسط آمال باستمرار هذا الاستقرار وعدم ظهور أي عراقيل قد تؤثر على توافر المحروقات في المرحلة المقبلة».
فادي أبو شقرا: المستهلك يدفع الثمن!
بدوره، يشدّد نقيب موزعي المحروقات فادي أبو شقرا على أن «سوق النفط العالمي يشهد حالة من التذبذب المستمر في ظل التوترات الجيوسياسية وعدم الاستقرار، إلى جانب ترقّب الأخبار اليومية المتعلقة بالمفاوضات الدولية بين فشل ونجاح، ما ينعكس ضغطا مباشرا على أسعار الخام عالميا. وفي هذا السياق، تُظهر المعطيات أن أسعار النفط بلغت مستويات متقلبة، حيث سجلت تراجعاً إلى ما دون 117 دولاراً للبرميل، فيما ارتفعت أسعار مادتي الديزل بنحو 80% والبنزين بحوالي 45% منذ بداية الحرب وحتى اليوم. ومع تسجيل هذا التراجع النسبي في الأسعار خلال الأسبوع الماضي، انعكس ذلك على جدول أسعار المحروقات في لبنان، الذي شهد انخفاضات طفيفة. وتشير التوقعات إلى إمكانية تسجيل تراجع إضافي على مادة الديزل خلال الأسبوع المقبل».
في المقابل، يرى أبو شقرا أن «لبنان يتأثر بشكل مباشر بهذه التحركات العالمية، في ظل تراجع المبيعات المحلية لمادتي البنزين والديزل نتيجة انخفاض نسب الاستهلاك. ومع ذلك، يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأكثر تأثرا، إذ إن أي ارتفاعا في أسعار النفط أو كلفة النقل والتأمين ينعكس تلقائيا على جدول الأسعار النهائي، ما يزيد من الأعباء المعيشية والاقتصادية».
القيسي: سيناريوهات النفط ترسم مصير الاقتصاد
وأمام كل تلك المعطيات، تقول الخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة ديانا القيسي إن «لبنان من الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد حاجاتها من الطاقة، ما يجعله يتأثر مباشرة بتقلبات أسعار المحروقات في الأسواق العالمية. وقد شهدنا في الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، نتيجة الزيادة العالمية في أسعار النفط، إضافة إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتعثر سلاسل الإمداد، وهي عوامل أسهمت مجتمعة في تفاقم الأزمة. ولا يقتصر تأثير أسعار المحروقات في لبنان على الكلفة العالمية فحسب، بل يتعداه إلى عامل الطلب الداخلي. ففي ظل محدودية القدرة التخزينية، يصبح السوق أكثر عرضة لاختلال التوازن بين العرض والطلب، ما يؤدي إلى ارتفاع إضافي في الأسعار عند زيادة الاستهلاك».
وتضيف: «مع اعتماد الاقتصاد اللبناني بشكل كبير على المحروقات لتسيير مختلف القطاعات، يزداد استهلاك الفيول بشكل مستمر، الأمر الذي ينعكس بدوره على ارتفاع معدلات التضخم، ليطال مختلف السلع والخدمات، معتبرةً أن هذه الأزمة لا تقتصر على لبنان وحده، بل تمتد إلى معظم الدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد الطاقة، حيث تواجه تحديات مماثلة في ظل التقلبات العالمية الراهنة».
وفي حال استمرار الاضطرابات الإقليمية، تشرح القيسي السيناريوهات المتوقعة لأسعار الطاقة عالميا، وانعكاساتها على اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد كلبنان. وتشير إلى أنه «هناك عدة سيناريوهات محتملة، السيناريو الأول يتمثل في التوصل إلى اتفاق أو وقف لإطلاق النار، ما قد يؤدي إلى تراجع أسعار النفط تدريجيا والعودة إلى مستويات ما قبل الحرب، وإن كان ذلك سيستغرق بعض الوقت نتيجة تضرر سلاسل الإمداد. وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تنخفض الأسعار إلى حدود 80–90 دولارا للبرميل».
وتتابع: «أما السيناريو الثاني، فيفترض استمرار الحرب مع امتداد التأثير إلى ممرات حيوية أخرى، ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل إضافي، وتعميق أزمة سلاسل الإمداد، وربما انقطاع بعض المواد البتروكيميائية، الأمر الذي سينعكس سلبا على وتيرة النشاط الاقتصادي العالمي».
وتختم: «في حين يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، في اتساع رقعة النزاع وتحوّله إلى حرب أوسع مع دخول أطراف دولية إضافية، ما قد يقود إلى انكماش اقتصادي حادّ، وشبه توقف في عجلة الاقتصاد العالمي».