التأويل بين الماضويّ والتقدّميّ والطليعيّ
هالة نهرا*
إنّ أيّ نصا عظيما جديدا اليوم يحتاجُ إلى مُؤوِّلٍ عظيم، لا إلى مؤوِّلٍ رديء وركيك وخشبيّ ودُغمائيّ. وأيّ نصا قديما من التراث لا بد منه في الحياة اليومية اليوم بنظر البعض، يحتاج إلى تأويلٍ جديد حديث مدرِك في ضوء الزمان والمكان وتطوُّر المفاهيم، في ضوء حركة المفاهيم وحركة التاريخ والواقع. إذا أوّلَ نصاً عظيماً جديداً راهناً أو نصاً تراثياً مؤوِّلٌ محدودٌ جامد أو غبي مدّعٍ أو ماضويّ رجعيّ في فهمه الحَرفي للنصوص والكلمات، اقترف إساءةً بحق المعرفة والثقافة والحضارة وضرورة التحضّر والتقدّم وبحق الإنسان في عصرنا.
اكتناه النص الواحد وتفسيره يتغيّران ويختلفان ارتكازاً على خلفيّات المؤوِّلين ومنسوب الحدس القرائيّ والإدراك والسعة والتراكم المعرفيّ لدى كلٍّ منهم ثقافيّاً واجتماعيّاً وفكريّاً. كلّ مؤوِّلٍ يقرأ النص عبر منظوره الخاص وفهمه الخاص وخبراته المتراكمة، ما يفضي إلى رؤى تأويليةٍ مختلفة ومتنوّعة للنص الواحد عينه. لكن إذا كان المؤوِّل ضيّق العقل والتفكير شوّه النص وحرَّفَهُ. لذلك فإنّ التأويل ليس ملكة يملكها الجميع، بل القلّة.
التأويل في غاية الأهمية حين يكون بابه مشرَّعاً على بعض الخيال المُدرِك المفيد المتأتّي عن فهم الضرورة أولاً في المكان والزمان والمقترن بسعة الأفق والتبصّر، وحين يكون بابه مشرَّعاً أولاً أيضاً على الوساعة والاجتهاد والاقتراح والتطوير، وعلى آفاق جديدة بالتالي لا بد منها في القرن الحادي والعشرين، وإلاّ أكلَنا التخلّف المزهوّ بجماله في مراياه.
في المقابل ومن جهةٍ أخرى، أعدّ الحروف أيضاً أوردةً لا تُقرأ إلا بعين المتلقّي الثالثة Third eye («الناصية»)، ولا تُسمع إلا بأذنه الثالثة Third ear، لذلك فليس كل قارئ أُعطي حدس تَهجّي الما وراء، ولو خُيّل إليه أنه اكتنه الكاتب والمعنى عن ظهر قلب.
الكتابة والتأويل حفرٌ في طبقات الفهم والمعرفة والوعي، وصقلٌ للأصل المرتقي الذي يُعتَّق ويتجدّد أيضاً بالتدريج والتراكم فالعالم بأسره قد يُنظَر إليه على اعتباره نصّاً على نصٍّ على نصٍّ على نصّ. العقلُ المنفتح الذي يتقبّل الأفكار الجديدة بلا أحكامٍ مسبقة مقترِنة أو ممهورة أحياناً بصوَرٍ نمطية وقوالب جامدة يجنح نحو إسقاطها (Projection)؛ العقلُ المتقبّل للآخَر المختلف، هذا العقل المنفتح السميح هو بابٌ منفتحٌ على أبوابٍ كثيرة منفتحة عليه، هو جوهرٌ مشرَّعٌ على الأفق الرحب... أمّا الذين يتمسّكون بالفهم الحَرفيّ الجامد للنصوص القديمة المتوارثة، فبؤساء يَهلكون في جحيم جهلهم وتخشُّبهم، من دون أن يتنبَّهوا أو يعوا، وربما يُهلِكون بيئاتهم ومجتمعاتهم، ويعوّقونها عن التقدّم والتطوّر. اتّساع الفهم والأفق وَسِعة التأويل - بمَراوِح المعنى الدلالية في ضوء حركة الزمن والمكان واكتناه الضرورة - لازِمان.
التأويلات المبصِرة خادمة لحيويّة وديناميّات الثقافة والمعرفة، وللدلالات عبر منحها حياة أخرى موازية وبَعْثها. غير أنّ هذه التأويلات مهما كانت عظيمة فإنها تظلّ مشرَّعة على احتمال النقصان أو الانزياح مثلما تظلّ مشرَّعة على المزيد والمستحدَث والمغاير والمُطلَق. ويمكن القول إنّ التأويل الجادّ الصائب ليس مجرّد محاولة تسعى إلى القبض على المعنى، بل أيضاً حركة التفكير في المعنى مثلما تُعرَّف الثقافة في المقابل بوصفها حركة الفكر في المفاهيم.
المعرفة والثقافة نورٌ وكنزٌ. من المفترض أن لا تخيفنا المعرفة والثقافة في جمالهما وضيائهما، بل على الجهل أن يخيفنا، خصوصاً حين يفضي إلى تخلّفٍ يُقدّسه المتخلّفون، وهنا تكمن الخطورة. وإذا كانت المعرفة والثقافة التنويرية - بندائهما المحفز وجنوحهما نحو التأويل الفطِن - تشكّلان خطراً على توازن الإنسان بالنسبة لأهل العقول المتحجّرة الذين يعمدون إلى قراءة النصوص وفقاً لانحرافاتهم الذهنية وخيالهم المريض ويذكّروننا بالقرون الوسطى حيناً والعصر الحجريّ أحياناً، فأهلاً بـ«انعدام التوازن» الطليعيّ وأهلاً بالتقدّم.
* كاتبة وناقدة وشاعرة






