تكشف لوحة الفنانة التشكيلية المصرية «إيفلين عشم الله» عن تعقيد سردي وجمالي يختبئ خلف ملامحها الفطرية. هي ليست مجرد رسم لوجه نسائي تحيط به كلمات متداخلة؛ إنها بناء بصري يحمل شيئاً من التميمة وشيئاً من الأيقونة الشعبية وشيئاً من الفنّ الفطري الذي يقوم على الصدق الداخلي أكثر مما يقوم على قواعد الأكاديمية. هذا التوتر بين البراءة الظاهرية والشحنة الرمزية العميقة هو ما يجعل اللوحة قابلة لقراءة طويلة، ومتعددة الطبقات، ومرتبطة بذاكرة الجماعة أكثر مما ترتبط بحدود فردية. إذ يحتل الوجه النسائي مركز اللوحة، ليس فقط بموقعه، وإنما كذلك بطريقة تموضعه: عينان كبيرتان مفتوحتان على اتساعهما، حاجبان مقوّسان، شفاه رقيقة، ورقبة تحمل ثقل قلادة ضخمة. الخطوط التي ترسم ملامح الوجه ليست خطوطًا منظمة، بل مقصودة في خشونتها؛ إنها أقرب إلى خطّ أيقونة أو رسم طفولي متقن بمعنى الروح لا بمعنى التقنية. وهذا الخيار يمنح الوجه بعداً رمزياً .إنه ليس وجه امرأة بعينها، بل وجه «المرأة–الحكاية»، أو «المرأة–الذاكرة»، أو «المرأة–الأم الكبرى» التي تلتقي فيها ملامح الأسطورة والبيئة الشعبية.
المعروف أن تضخيم الأعضاء في الفن الفطري ليس عيباً أو نقصاً، بل هو وسيلة لرسم قوة المعنى. وفي هذه اللوحة، تبدو العينان كأنهما بابان لمخزن من الحكايات،. الأنف الطويل المستقيم، والفم المقفل بغير قسوة، يُعطيان الوجه شعوراً بالثبات، بالوقار، وبأن شيئًا ما كان يجب أن يُقال لكنه بقي مكتوماً. إنه الصمت الذي يتقاطع مع الكتابة المحيطة بالرأس، ليخلق حواراً بين الصوت المكتوب والصمت المرسوم. والنصوص المحيطة بالرأس ليست زينة شكلية؛ إنها جزء من التكوين. هي بمثابة الهالة النصية التي تمنح الوجه قداسة غير دينية، لكنها روحانية. استخدام اللون البنفسجي والأزرق حول الرأس يذكّر بفعل التزيين الشعبي الذي يُحيط بالقدّيسين أو الشخوص الروحانية في الأيقونات. غير أن النص هنا ليس نصًا دينياً، بل هو نص شعبي، يعبّر عن علاقة الإنسان بالعاطفة، وبالحسد، وبالرقابة الاجتماعية، وبنظر الآخر.
النص يلتف حول الوجه كما تلتف التعاويذ حول التميمة. هذا الالتفاف ليس عشوائياً. إنه يشكّل حركة دائرية تجعل المشاهد يدور بعينه حول الرأس قبل أن يعود إلى العينين. إنها حركة دوران تشبه طقساً بصرياً، يفرض على المتلقي أن يكون مشاركاً في العملية، لا مجرد مُشاهد. والكتابة بخط شبه بدائي، من دون انتظام في الحجم، تكشف عن علاقة الفنان مع النص: ليست علاقة خطاط، بل علاقة إنسان يحاول أن يُخرج صوتًا داخليًا إلى السطح. النص، هنا، صوت اللوحة في مقابل صمت الوجه. وما جذبني لهذه اللوحة هو رواية سلوى محمود تميمة المعبد رغم ان السرد الروائي أسطوري إلا أن شاعرية الرواية والروح السردية تحاكي السردية البصرية عند الفنانة إيفلين عشم لله . فهل السرد الأدبي يعادل السرد البصري ؟ وهل الإيحاء والإختزال هو لعبة فنية بين الأثنين؟
الألوان في اللوحة لا تنتمي إلى مدرسة الانسجام الأكاديمي، بل إلى منطق التراكم الشعبي الذي يجعل من اللون حاملًا للمعنى الوجداني. الألوان لا تتجاور، بل تتحاور. فاللوحة تنتمي إلى الأسلوب الفطري، إلا أن توزيع الظل والضوء فيها يُظهر حساً تشكيلياً واعياً. الظلال الخفيفة حول الأنف والعينين والرقبة ليست عبثية بل هي التي تمنح الوجه عمقه. فماذا عن البعد الشعبي الفطري (Art Brut) في أعمالها بشكل عام؟
الأسلوب بحدّ ذاته ينتمي إلى الفن الفطري - الفن الذي لا يعترف بالتقنية قدر اعترافه بالصدق والرؤية المباشرة. لكن ما يميز هذه اللوحة تحديدا هو أنها لا تقع في فخّ السذاجة، بل تُظهر براءة متعمّدة. وجه المرأة ليس متوازناً بالكامل، لكنه ليس مشوّهاً. الكتابة ليست منتظمة، لكنها ليست فوضوية. وهذا الإيقاع بين «عدم الإتقان» و»المقصود» يضع العمل في مكان وسط بين الفن الشعبي التقليدي والفن الفطري الحديث. كأن الفنان واعٍ بأن هذا الأسلوب يفتح باباً روحياً رمزياً لا تفتحه الأكاديمية.
اللوحة تؤسس مفارقة جمالية الوجه ساكن، صامت، يواجه. النص محيط، صاخب، يعلو بصوته. هذه الثنائية تخلق حركة درامية داخل اللوحة كما هي الحال مع بطلة رواية سلوى محمود. فالمشاهد يبقى عالقاً بين ما يراه في الوجه وما يسمعه من النص. وهنا تظهر عبقرية هذا النوع من الفن: إنه يُوظّف الكتابة كجزء من الجسد البصري للّوحة، لا كإضافة. الكتابة ليست تعليقًا، بل هي امتداد للوجه. والدائرة، في الفلسفة البصرية، رمز للكمال، للديمومة، للحماية. ولذا فإن إحاطة الوجه بهذه الدائرة ليست مصادفة. إنها تقول: هذا الوجه ليس مفتوحاً على العالم، بل محفوظ بداخله.
اللوحة تُشحن بطاقة البصر فالعين تُخيف، تحمي، تُغري، تُراقب، تُحاكم، وتُعطي حكماً صامتاً على العالم. إنها العين الشعبية التي تتوسط كل علاقة اجتماعية في الشرق: من المحبة إلى الغيرة إلى الحسد إلى الغرام. فهل يمكن قراءة اللوحة بوصفها تميمة بصرية كتميمة سلوى محمود السردية ؟
المرأة في الوسط هي قلب المعنى، النص هو الدعاء أو التعاويذ، الألوان هي الحماية، والهالة هي الجدار الروحي. اللوحة تُعيد إنتاج منطق التميمة الشعبية - منطق يرى العالم بوصفه مكانا يحتاج إلى الحماية دائماً. لكنها ليست تميمة ضد الشرّ فقط، بل ضد الفناء والنسيان. العمل يعيد التذكير بأن المرأة، في الثقافة العربية الشعبية، هي مركز السرد، مركز البيت، مركز الذاكرة. أن النظر إليها هو نوع من الاعتراف بالوجود، وأن إحاطتها بالكلمات هو طقس إكرام، أو خوف، أو عشق، أو كل ذلك معاً. اللوحة يمكن اعتبارها منظومة جمالية كاملة تشكّل فيها الكتابة جزءاً من الجسد، واللون جزءاً من المعنى، والوجه جزءاً من الأسطورة.