«يروي الدكتور حسين كنعان في هذا الكتاب، قصته مع «شركة إنترا للإستثمار» وشركة الـ «ميدل إيست»، ليعاين الألم، مرة أو مرتين. مرة كشاهد وفاعل ومرة كراوٍ أو ليكتشف أنه يمكن للمؤسسة... أن تكون أيضا، صورة مصغّرة وفاضحة للواقع الذي تنهشه عوامل التفرقة والضعف والإنحلال والفساد» (سليمان بختي- الناشر).
الوجه الآخر للبنان، في تسعينيات القرن الماضي، هو أنه كان أرض تبييض الأموال، تماما كما كان أرض الشبهات المالية، وأرض الفساد المالي ووكرا عظيما للرجال وللمجموعات، التي هي جزء من السلطات التي كانت تدير البلاد، بعد الجهر بتلازم المسارين، وتلزيم لبنان إلى النظام الأسدي، وسيطرة قواته على جميع مرافق الدولة المالية والإدارية والسياسية... والعسكرية. فصارت البلاد كلها، من قاعدة الهرم، إلى أعلاه، جمهورية الفساد بإمتياز.
«د. حسين كنعان. قصتي مع إنترا وشركة (الـ ميدل إيست - MEA). دار نلسن - بيروت 2026: 210ص».
يفتح هذا الكتاب كوة، على مغارة مظلمة ومشبوهة، هي مصرف لبنان - رياض سلامة، وكيف كان الربان الحقيقي، لتلك السفينة التي غرقت، وأغرقت البلاد، دون أن ينسى الشركاء القدماء، الذين نحروا «إنترا»، وحملوه على الإفلاس، وبدّدوا الثروات التي كانت تحت يديه، ليؤسس ذلك لأول كارثة مالية، أصابت لبنان في مطلع الستينات.
«بعد أيام زارني في مكتبي الأستاذ عبد الكريم الخليل والمحامي إيلي فرنسيس، ودار حديث بيننا، بين كيف أن منطق الحسابات الضيقة، يعلو على منطق الإصلاح».
العصابات المالية وراء «إنترا»، سرعان ما تابعت دورها، بعد وصول النظام السوري المشبوه إلى الحكم، فوجد في البلاد أرضا خصبة، للنهب واللطش والخلع والكسر، وإدارة الحديقة الخلفية لها، بإعتبارها صالحة في الزمان وفي المكان، للتأسيس للأخطبوط الإرهابي الذي تبنّته الأنظمة الموكلة بجرّ هذه المنطقة الهادئة والآمنة والرائدة، لتحطيم البلاد في سوريا ولبنان، وما ورائهما من آفاق، تصل بين الأبعاد جميعا بلا إستثناء.
«تشكّل هيئة التحقيق الخاصة ركيزة أساسية في منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في لبنان... أبرز التحديات المستقبلية لتعزيز الثقة والإمتثال لأفضل الممارسات الدولية».
يسرد د. حسين كنعان وقائع الإدارة اليومية، ووقائع السياسة اليومية، ووقائع النظام المشبوه بين المسارين. يمنحنا فرصة لرؤية ما كان خفيا علينا، ويطلعنا على الغرف السرية التي كانت تدير عمليات الفساد في «إنترا» والـ «ميدل إيست»، بحيث نرى بأمّ أعيننا ما كان يراد للبنان من الوقوع في المهاوي التي وقع فيها، تحت أنظار من كان المكلف بإنقاذ البلاد، وربما بشراكة فاعلة بينه وبين الطغمة العالمية، التي كانت تتحكّم في جميع المسارات، وتقبض على أوراق المنطقة لليوم المحسوب بدقّة.
«من المؤسف أن السياسة اللبنانية بتناقضاتها، تتدخّل في شؤون مؤسسات حيوية، لاقتصاد هذا البلد، خصوصا تلك التي تواجه يوميا مشكلات يلزمها حلول سريعة، وكل تأخير في إيجاد الحلول المناسبة يزيد الضرر الذي بدأ عليها» (د. لوسيان دحداح).
يعرض د. حسين كنعان للنكبات المالية، التي كانت المقدمة الأولى للنكبات السياسية والإدارية والعسكرية. وهو يعتبر، أن ما تعرّض له بنك إنترا، كان يمكن تجاوزه بسهولة، من خلال الأمانة في إدارة ملفه، ومن خلال الغيرة على المصلحة المالية اللبنانية، التي كانت زاهرة ومتقدمة في المنطقة العربية. وهو يسرد علينا من وقائع ومن إشارات ومن تلميحات، أنه لا بد، مما ليس منه بد: تهاوي الشجرة المالية، وتقطيعها، لمصالح شخصية وغير شخصية، لدى الجهات النافذة، حتى لا تستطيع الشجرة، أن ترمّم خشبها، وأن تستنبت نفسها من جديد.
«كان منيف عويدات، يتحدث في أعقاب إجتماعه برئيس جمعية المصارف عبدلله الزاخم الذي زاره وبحث معه التباين في وجهات النظر بينه وبين نعيم، حول تطورات التحقيق في مصرف المشرق».
يسمّي الدكتور حسين كنعان الأشخاص بأسمائهم، ويسمّي الجهات ويحدّدها، حتى لنكاد نشعر بالخيانة الوطنية تملأ أنوفنا، ونحن نتشمم ورق هذا الكتاب الشاهد اليوم على مرحلة أسّست للخراب المالي أو السياسي الكبير.
«أما في ما يتعلق بالمدفوعات التي وردت من Boullioun إلى شركة بردويل والتي أثارت الشكوك فلا بد من إعطاء التوضيحات التالية...».
أسماء كبيرة تتهاوى عن القيم وعن القمم.. وتتهاوى عن السمو والتسامي بالوطن، لأن د. حسين كنعان، أراد أن يقدم لنا القضية المالية، عارية، وكأني به يقول: إن المؤامرة بدأت من هنا، من العتبة المالية إلى الوطن، بإعتبار المال، كان العتبة الحقيقية، تلك التي فخخت، وبدأ الفساد يضربها، بسبب المؤامرة الكبرى.
«على أي حال، التحقيقات مستمرة وسيشهدها الأسبوع المقبل أستدعاء من تبقّى من أعضاء مجلس الإدارة واللجنة الحقوقية التي شاركت في إبرام العقد، المؤلفة من المحاميين ميشال سمراني وفادي ملاط».
يشكّل كتاب: «قصتي مع إنترا وشركة الـ ميدل إيست»، أرشيفا عظيما للقضية المالية التي هوت بلبنان، منذ التسعينيات. واستمرت تتفاعل من عهد إلى عهد، حتى انفجرت أخيرا في وجه جميع الجهود الإصلاحية، لأن المؤامرة على لبنان، كانت قد بدأت منذ زمن مبكر، ثم راكم الفاسدون الأوراق، حتى صار الإصلاح مستعصيا، بسبب تحالف السلطة والفساد، أو قل الفساد والسلطة: يبدأ الأول من حيث ينتهي الثاني، ويبدأ الثاني من حيث ينتهي الأول. فتبدو لنا قصة الحكم، وكأنها كانت مؤسسة على الفساد المالي الذي يهوي بالبلاد، مهما كانت قوية. فما بالكم إذا ما كان كل ذلك مخططا له، حتى يصبح لبنان كله هو القضية، وحتى يصبح الجنوب والبقاع، هما لب القضية.
«واستمع سالم معلولا إلى إفادة عضو مجلس الإدارة جورج يعقوب الذي وضعه في أجواء المخالفات التي رافقت عقد الاستئجار».
د. حسين كنعان، جمع فأوعى من التقارير الصحفية ما يشهد على قطع الشجرة. كان يتابع الإصدارات الصحفية يوما بيوم، ويستلّ منها ما يثبت شهادته على تلك المرحلة التي أسست للـ«خراب الكبير»، بدل «لبنان الكبير». فعصر الصفقات بدأ من هناك، وهم اليوم يستكملون إسقاط لبنان، فنراهم وبالعين المجردة، يبدأون من هنا، فنحرت المالية اللبنانية، على أيدي الجلاوزة، في مصرف لبنان وفي «الـ ميدل إيست»، وما كان ذلك ليتم إلّا بأوامر خارجية، فما قضى النظام المشبوه، إلّا بعدما جعل القلعة، تسقط من داخلها.
«وعليه أدّت هذه التعديلات، إلى توفير خمسة ملايين دولار أميركي. وبعد أن تأمّنت مصالح شركة طيران الشرق الأوسط، وتنفيذا للاتفاق الجديد مع الشركة السنغافورية، تراجع مصرف لبنان عن هذا الإخبار، من دون أن يؤدي ذلك إلى توقف التحقيقات الجزائية...» («السفير» 27/3/1998).
أستاذ في الجامعة اللبنانية