رياض الصلح: رجل الاستقلال ومؤسّس جامعة الدول العربية
في شهر تموز من كل عام، يستذكر اللبنانيون محطة مفصلية ومؤلمة في تاريخهم الحديث، ألا وهي ذكرى اغتيال أول رئيس وزراء للبنان المستقل، رياض الصلح. لم يكن الصلح مجرد سياسي عابر في تاريخ المنطقة، بل كان أحد أبرز أعمدة الاستقلال، وصانعاً أساسياً للتسويات التي رسمت هوية لبنان ودوره كجسر للتواصل بين الشرق والغرب، محلياً وعربياً.
ولد رياض الصلح في صيدا سنة ١٨٩٤ في كنف عائلة سياسية عريقة، وتشرّب منذ صغره قيم النضال والعروبة. برز دوره المحوري في أربعينيات القرن العشرين عندما تضافرت جهوده مع جهود رئيس الجمهورية آنذاك، بشارة الخوري، لتحقيق استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي عام ١٩٤٣.
انطلاقاً من مبدأ «الوجه العربي» للبنان، لم يكتفِ الصلح بترتيب البيت الداخلي، بل كان أحد الآباء المؤسسين لجامعة الدول العربية. في عام ١٩٤٤، مثّل لبنان في «بروتوكول الإسكندرية» الذي مهّد لتأسيس الجامعة، ووظف هذا الحدث بعبقرية لخدمة الكيان اللبناني عبر:
- ضمان الاعتراف بالاستقلال: اشترط الصلح، بالتوافق مع القيادات المسيحية، أن ينص ميثاق الجامعة بوضوح على احترام سيادة لبنان واستقلاله بحدوده الحالية.
- تبديد المخاوف الطائفية: نجح في إقناع الدول العربية بالتخلّي عن مشاريع «الوحدة الاندماجية» التي كانت تخيف المسيحيين، وأرسى في الوقت نفسه علاقة مؤسساتية متينة ترضي تطلّعات المسلمين بالانتماء العربي. بفضله، دخل لبنان الجامعة العربية كدولة مؤسسة ذات سيادة كاملة.
في ١٦ تموز ١٩٥١، طالت يد الاغتيال الرئيس رياض الصلح أثناء زيارة كان يقوم بها إلى العاصمة الأردنية عمّان. تم إطلاق النار عليه وهو في طريقه إلى المطار للعودة إلى بيروت، في حادثة شكّلت صدمة كبرى للبنانيين والعرب على حد سواء.
جاء اغتياله في سياق تداعيات سياسية وأمنية معقّدة في المنطقة، ليُطوى بذلك سجل حياة حافلة لرجل كرّس حياته لبناء الدولة الحديثة وإرساء دعائمها الداخلية والخارجية.
رحل «رجل الاستقلال» تاركاً خلفه دولة حرّة، وعلماً يرفرف بالسيادة، وميثاقاً للعيش، ليبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الأجيال كرمز للوحدة الوطنية والدبلوماسية اللبنانية الفذّة.
المهندس هشام جارودي






