«كأن الفنانة آثرت أن تتغور وتتجول في أصقاع روحها، وفي أروقة النفس ودهاليزها وسراديبها، حتى تصل في منمنماته إلى حصاد الضوء الحزين، والنور القادم من عتماتها الديجورية الحالمة، وتمكين الرغبات الجمالية من الإشتقاق والتوالد...».
لكل كتاب صفة، ولكل قول معنى، ولكل جمال مغنى، وحسب المؤلف: فنانا كان أم كاتبا أم شاعرا أم رساما، أم قاصّا ومسرحيا، أن يجد القاسم المشترك لعمله، من ألفه إلى بائه، وأن يكون قادرا على التدوير بين مثل هذه الموضوعات الشائكة، حين تطرح في كتاب دفعة واحدة.
«حكايتي مع الفن التشكيلي. كلود عبيد. دار فواصل - بيروت 2026 (380 ص. تقريبا)».
«الروابط وثيقة بين الفنون التشكيلية والأدب، وذلك للتأثير المتبادل بينهما... كل أنواع التعبير الفنية تمتلك هذه الصفة».
هذا المؤلف، كما مؤلفه، ولا أقول مؤلفته، يحوي كل ذلك وأكثر. أغراض شتى، في أزمنة مشتتة، ربما تباعد أقدمها عنا، زهاء عقدين من الزمن وأكثر. غير أن هناك رابطا يربطها جميعا، هو أن ما يمكن إن يكون جامعا لها، هو الموسيقى.
بكل تأكيد، نجد الموسيقى التصويرية، تتخلل الأعمال كلها، في هذا «الكتاب - السفر»، الذي كان ضمامة أقلام بارعة. وكان بالتالي، ضمامة آراء نقدية عادلة، وكذلك لواجد أنت، باقات شعرية، هي أشبه بالهدايا الحانية، دون أن ننسى ما في خواتيم الديوان، من ملزمة فنية، حَوتْ عيّنات مختارة من أعمال الرسامة والشاعرة والناقدة والأديبة: الأستاذة كلود عبيد أو (إيكار جرجس)، إبنة بلدة برقايل العكارية التحفة، وإبنة بلدة القلمون الطرابلسية - الفواحة بعبير زهر الليمون.
«من الواضح أننا نعيش مرحلة الصورة في مجالات الحياة، وعلى مستوى الفنون خصوصا».
كتاب فرد، جمع فأوعى، بين عامي: (2006-2026). فكانت الرنّة الموسيقى التصويرية التي تتخالله، هي ما يسيل في عروق نسيجه الفني والأدبي، من مقالات وقصائد ولوحات زاهية وبارقة.
«أية وسيلة من الوسائل الخاصة للتعبير (رسم - نحت - شعر - موسيقى) هي بريئة وقاصرة عن التعبير بغير لغتها الخاصة أو الجامدة، خارج حدود هذه اللغة».
جميع الأقلام التي غمست حبرها على نصاعتها، كانت حتما مموسقة. فأنت ترى الآراء المنسوجة نسجا، أو ترى الأفكار المحاكة حياكة، تتراقص بمعانيها العميقة، وكأنها السفن الرافئة.
«التشكيل كالعالم السحري، يحقق تلك المتعة الراقية، متعة الفن، حيثما يتناغم مع مكنوناته، محققا الإنسجام الداخلي العميق للروح...».
حقا كانت اللوحات التي ذيّلت هذا الكتاب، تجعل كل الكلام راقصا، تجعل كل العبارات مموسقة. ولا غرو، فأنت تجد في المقطعات النقدية، وفي القصائد الشعرية، ما يتآلف في موسيقاه الموقعة، مع تلألأ الألوان وزهوها. أليس الريشة التي عبّرت بها، كانت تتماوج مع إيقاعات النفس ورنّاتها، وهي توقّع الألوان وتجعل منها لوحات خالدة؟!
«الفن يحمل في باطنه أسرار كل القيم. وهو جزء من الإلتزام السياسي والثقافي في بناء الوعي المرتبط بفهم المجتمع بأبعاده وآلياته وقيمه وتجلياته الثقافية المختلفة».
رنّة الموسيقى التصويرية وحدت بين النقد والشعر واللوحة، بانت كإطار جامع ولا أجمل، ولا أحلى. أخلت لها المؤلفة الحصيفة، المساحات الشاسعة، فبدت تتماوج مع إيقاعات كتابها، الذين يوقعونها على الريشة التي هفت فيها الألوان وتهفهفت، وهفت إليها الروح، وهناك إستكانت ولا أشهى.
«الرسام هو راء: عندما أطلق الله الأرواح نحو الآتي، وضع على وجوههم عيونا تحمل النور».
مؤلف أجدر به أن يكون متحفا لرنّات الموسيقى الراقية، حين ينحو الكتّاب والشعراء والرسامون والفنانون جميعا، هذا المنحى، لتقديم المشتهى.
«نلتقي... لنساهم في دعم الجمال، ملتزمين بفعل إيمان بضرورة الفن، الضامن الوحيد للأصالة المشتهاة».
إشتهاء موسيقي بالكامل، هو مؤلف كلود عبيد هذا. موقّع بأنامل تراقصت على الأبيض الناصع. ولهذا ربما، بدا كل كلام فيه، كما كل لوحة، على إنسجام تام، لان المؤلفة عرفت كيف تدير زواياه، وتجعل من الأبحاث كلها ومن القصائد كلها ومن اللوحات التي ذيّلته، قطعة موسيقية واحدة.
«أصبح التشكيل لغة، ولم يعد تجميلا ولا تنسيقا، بل توشك أن تستبعد من عالم التشكيل اليوم كل ما يمكن وصفه بأنه زينة للحياة أو متعة للعين، فهو يرصد واقعا أكثر عمقا ومعنى وجمالا».
الأستاذة كلود عبيد ضوع كروم الزيتون والليمون، وجناحين لفراشة واحدة، إنتدبت حياتها كلها، لتكون ريشة روحها، في رسم لوحاتها.
«ما كنت يوما خلف برق خلب/ بل كنت دربا للأصالة والجذور» (الشاعر مروان عبيد).
لوحة برنّة مموسقة، وروح عازفة، هي الأديبة والفنانة التشكيلية الخالدة، كلود عبيد، في مشوارها الطويل الذي قطعته، على رنّة الموسيقى التصويرية، أينما كانت: حرفا ولونا ووجها، ويدا تلوّح بفرشاتها.
«وحدها شغفها بالإبداع وبالحياة هو الذي يحرّكها، فتميّزت بأسلوب مختلف وبإنتقائية في التطرق إلى مواضيع تمسّ المشاهد والقارئ، فلا يشعر أي منهما بغربة أنام اللوحة أو الكتاب، بل يتركهما ينقلانه إلى سبل لا تنتهي» (الناشر- الغلاف الأخير).
أستاذ في الجامعة اللبنانية