بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 أيلول 2022 12:00ص مذكرات الرئيس صائب بك سلام (1)

الفرنسيون حاربوا «الميدل إيست» والجابري منع هبوطها في مطار حلب

حجم الخط
تتألف مذكرات الرئيس صائب بك سلام من ثلاثة مجلدات تغطي سيرة حياته الصادرة عن دار نوفل في بيروت،يتضمن المجلد الأول (501) صفحة. سيرة حياته ما بين أعوام 1905 – 1970 وهي فترة مهمة للغاية كشف فيها الرئيس صائب بك سلام الكثير من التطورات والأحداث منذ العهد العثماني، فعهد الانتداب الفرنسي، ثم عهود الاستقلال إلى عام 1970.
إن الرئيس صائب بك سلام لم يكتب مذكراته كمعاصر لتلك العهود فحسب، وإنما كمؤثر فيها وفاعل بتطوراتها وأحداثها.
يقول صائب بك سلام: «وقد يبدو في بعض الصفحات أنني ذكرت من الوقائع ما قد يسيء، ولو بالقدر اليسير – إلى البعض من لبنانيين وعرب، غير أن هذه الإساءة إن بدت لا تنطلق من رغبة في سلوك سبل السلبية، بل الإصرار على ذكر الحقيقة وتجنب الزلل...».
يذكر صائب بك سلام ذكريات طفولته في المصيطبة وذكريات شبابه حيث عاش في دارة آل سلام وهو واحد من إثني عشر شقيق وشقيقة، دارة والده سليم علي سلام (1868 – 1938) رئيس مؤتمرات الساحل الوحدوية والزعيم البيروتي الوحدوي المشهور في نضاله ضد الفرنسيين، وجهاده من أجل الوحدة السورية والعربية، وتعرضه للسجن عدة مرات،وكان عضواً مهماً من أعضاء جمعية بيروت الإصلاحية، ورئيساً لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت التي التحق صائب بك سلام بإحدى مدارسها وهي مدرسة عثمان ذي النورين، ثم التحق بمدرسة الراهبات، ثم تنقل في عدة مدارس منها مدرسة المخلص، ومدرسة الكلية السورية الإنجيلية ومنها عودته إلى المقاصد من جديد، ثم الكلية العثمانية، وكانت والدته السيدة كلثوم ابنة عمر البرير سيدة لها وزنها الاجتماعي الكبير في المجتمع كما كانت تربط آل سلام القرابة بآل طبارة وآل الأغر وسواهم.
هذا، وقد أشار الرئيس صائب بك سلام إلى دسائس جمعية الاتحاد والترقي منذ أن قامت بمؤامرة خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش عام 1909، كما أشار إلى انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913. كما أشار إلى بداية التنافس السياسي بين آل سلام وآل الصلح في انتخابات مجلس المبعوثين العثماني قبيل الحرب العالمية الأولى، والتي امتدت آثارها إلى عهود الاستقلال.
هذا، وقد أشار صائب بك سلام إلى اعتقال جمال باشا لوالده، وكاد أن يُشنق لولا ثبوت البراءة من أي اتهام، ثم تحدث عن انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 وجلاء القوات العثمانية عن بلاد الشام، ووصول الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى دمشق في أيلول عام 1918 الذي أعلن ولادة الحكومة العربية فيها وفي جميع المدن بما فيها بيروت والتي تولى رئاستها في بيروت عمر بك الداعوق بينما كان سليم علي سلام مديراً عاماً مشرفاً على سير الأمور، وأشار صائب بك سلام في مذكراته بأن العثمانيين تركوا في السراي الكبير أموالاً طائلة من الذهب قبل رحيلهم، وقد حافظت الحكومة العربية في بيروت على هذه الأموال، غير أن الفرنسيين بعد أحد عشر يوماً احتلوا بيروت، وتسلموا جميع المهام وأسقطوا الحكومة العربية فيها كما وضعوا أيديهم على أموال الخزينة.
ومن الأهمية بمكان القول، بأن صائب بك سلام أشار في مذكراته بأن والده الذي اعتقله جمال باشا ظلماً، فقد كرر الاحتلال الفرنسي هذه السياسة القمعية بحق (أبو علي) سليم علي سلام عام 1919 بالرغم من براءته من جميع الاتهامات، علماً أنه كان ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني لبلاد الشام، كما أوقف الجنرال غورو في عام 1922 أبو علي سلام مرة ثانية تحت ستار التحريض على مدير الداخلية أسعد خورشيد المؤيد للفرنسيين، والذي أصدر قراراً بالعمل يوم الجمعة في حين اعتاد المسلمون منذ مئات السنين على التعطيل في هذا اليوم، غير أنه تبين للمحقق بأن أبو علي سلام بريء من هذه الاتهامات، فأطلق سراحه من سجن دوما في البترون.
ومن المفاصل المهمة في حياة صائب بك سلام وأسرته وفاة الوالد الزعيم البيروتي والعربي والوحدوي (أبو علي) سليم علي سلام في 28 حزيران 1938 فقد فقدت الأسرة العمود الفقري لها كما فقد البيارتة زعيماً بيروتياً وحدوياً، أقيم له في بيروت بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته حفلاً تأبينياً كبيراً بيروتياً ولبنانياً وعربياً شارك فيه كبار الرؤساء والقادة والزعماء.
وكي تبقى دارة المصيطبة دارة البيارتة بدأ صائب بك سلام يعمل في السياسة بشكل ملحوظ في عهد الانتداب الفرنسي وأشار إلى أنه «شاركت في اجتماع سري عقد في منزل جميل مردم بك في صوفر، شارك فيه إلى جانب صاحب الدار سعد الله الجابري ورياض الصلح وحضر من العراق الذي كان قد حقق استقلاله نوري السعيد وتوفيق السويدي مع ثلاث شخصيات فلسطينية، وقد تمحورت مناقشات هذا الاجتماع السري حول ضرورة تحقيق التضامن العربي وأسسه الموضوعية».
ويلاحظ بأن صائب بك سلام الشاب الناشئ إنضم إلى زعامات لبنانية وسورية وعراقية وفلسطينية سبقته سنوات في العمل السياسي، مما يؤكد بأن صائب سلام رغم أنه الأصغر سناً بينهم – غير أنه كان يمتلك النضوج والإرث السياسي العريق، مما أعطى شخصيته وزعامته بُعداً لبنانياً وعربياً، كما أن زواجه من السيدة تميمة مردم بك أعطى شخصيته بُعداً عربياً جديداً يوم كانت دمشق وزعمائها قبلة العرب والعروبة. وأشار في مذكراته إلى تطورات على غاية من الأهمية في عام 1943 يوم شارك وأخيه علي مع كبار الزعامات الإسلامية: السنية والشيعية والدرزية في المؤتمر الإسلامي برئاسة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد توفيق خالد الذي وقف معارضاً المرسومين (49) و(50) الذي يعطي كُلاَّ منهما أرجحية للمسيحيين على المسلمين في عدد النواب وفي إدراج المغتربين في لائحة اللبنانيين الناخبين بالرغم من هجرتهم من القرن التاسع عشر، وكان هذا المؤتمر الإسلامي ضد الرئيس أيوب ثابت والانتداب الفرنسي، غير أن المسلمين نالوا مطالبهم بعد أن أقصي أيوب ثابت عن الرئاسة والإتيان ببترو طراد رئيساً.
وفي انتخابات 1943 النيابية أصبح نائباً للمرة الأولى، وهذه الانتخابات النيابية حققت الاستقلال لأن غالبية الناجحين كانوا من القوى الوطنية الاستقلالية، وهذا المجلس النيابي هو الذي انتخب الرئيس بشارة الخوري رئيساً للجمهورية بعد أن كان الانجليز يريدون كميل شمعون رئيساً للجمهورية وإبعاد بشارة الخوري واميل اده، وقد جاء في المذكرات «عارضت الاقتراح بشدة وجعلت مشادة بيني وبين سبيرز...
وموقفي هذا لم يكن مجرد ردة فعل على موقف الانجليز المعارض لي في الانتخابات النيابية، بل تمسكاً بخطنا الاستقلالي الذي يمثله بشارة الخوري وحزب...»
وفي مذكرات صائب بك سلام تحدث عن ظروف نشأة الميثاق الوطني اللبناني وحقيقته، وأنه لم يكن توزيعاً طائفياً بين الرئاسات الثلاث، كما تحدث بشيء من التفصيل عن معركة الاستقلال عام 1943، وكيف تضامن الشعب اللبناني وزعاماته لأول مرة منذ عام 1918 في وجه الانتداب الفرنسي، وكانت دارة المصيطبة في هذه الفترة العصيبة مركزاً سياسياً يلتقي فيه جميع الاستقلاليين من وزراء ونواب وزعامات لاسيما عند اعتقال فرنسا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبعض الوزراء والنواب، وفي هذه المرحلة العصيبة تم تشكيل حكومة وطنية برئاسة صائب بك سلام ومن الأعضاء: غبريـال المر وهنري فرعون وأحمد الأسعد وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وحبيب أبو شهلا والمير مجيد أرسلان وذلك تلافياً لمرحلة فراغ تريدها فرنسا.
وفي هذه الظروف الاستثنائية وقفت الدول العربية إلى جانب لبنان ضد المحتل الفرنسي لاسيما مصر وسوريا والسعودية، ويذكر صائب بك سلام في مذكراته أنه «قررنا تشكيل وفد من النواب لزيارة دمشق وعرض الأوضاع على المسؤولين فيها ودرس السبل الآيلة لدعمنا. كان وقتها شكري القوتلي رئيساً للدولة وسعد الله الجابري رئيساً للوزراء وجميل مردم بك وزيراً للخارجية.
توجهت بسيارتي ومعنا الزملاء النواب: حميد فرنجية وسعدي المنلا، وأديب الفرزلي... وصلنا إلى الشام، فاستقبلنا سعد الله الجابري... في ذلك اللقاء قامت تظاهرة طلابية في الساحة خارج الفندق، كان المشاركون فيها يهتفون للبنان واستقلاله...
خرجنا نخطب في المتظاهرين... وقد قاطعنا المتظاهرون مرات عديدة بهتافاتهم الحماسية، مما خفّف من شعورنا بخيبة الأمل التي منينا بها بعد لقاءاتنا مع الرسميين من الجابري إلى جميل مردم بك الذي استقبلنا وهو وراء مكتبه، وبقي طول الوقت مشغولاً باتصالاته الهاتفية، وكذلك شكري القوتلي الذي لقينا عنده البرودة نفسها...»، لذلك عاد الوفد إلى بيروت، وظل الوزراء والنواب الاستقلاليون مع الشعب اللبناني يجرون الاتصالات ليلاً ونهاراً، ونظراً للضغوطات العربية والدولية لاسيما بريطانيا ومصر فقد أفرج عن المعتقلين بعد 11 يوماً من اعتقالهم وتحديداً في 22 ت2 1943.
وبعيداً عن السياسة التقليدية، أشار الرئيس صائب بك سلام – ومن خلال فكرة الإبداعي – إلى كيفية تأسيسه شركة طيران الشرق الأوسط قائلاً:«عزمت في العام 1945 على تأسيس مشروع كبير على المستويين الشخصي والوطني، فخلال هذه الفترة، بدأت فكرة المشروع انطلاقاً من قناعتي بضرورة قيام مؤسسة وطنية للطيران المدني».
ويشير إلى أن تأمين رأسمال الشركة كان من إخوته وأخواته ورثة سليم علي سلام، كما أسهم فوزي الحص بهذا الرأسمال، فإن لآل سلام الثلثين من الأسهم والثلث لفوزي الحص، وبذلك بدأت المرحلة الأولى ثم المرحلة الثانية بشراء طائرات بريطانية، وتم الاتفاق مع الشركة البريطانية على تأمين الطيارين والمراقبة الفنية من مهندسين. وتم الاتفاق على اتخاذ مطار بئر حسن (قرب المدينة الرياضية) محطة للانطلاق والعودة، كما تم الاتفاق على أن تقوم الطائرات برحلات إلى حلب وحيفا واللد وبورسعيد والقاهرة وقبرص.
ويؤكد الرئيس صائب بك سلام كيف أن فرنسا حاربت مشروعه من خلال شركة فرنسية للطيران حيث عينوا رئيساً لها الحاج حسين العويني، وكذلك، فإن رئيس الحكومة السوري سعد الله الجابري منع الطائرات اللبنانية من الهبوط في حلب، وهدد بإطلاق النيران على الطائرات.
من جهة ثانية، فقد حرص صائب بك سلام على إنشاء مدرسة لتعليم الطيران للشباب اللبناني تكون على مستوى عالٍ وعالمي على أيدي مدربين من الإنجليز، وكان باكورة هذه المدرسة الكابتن سعد دبوس الذي أطلق عليه صائب بك شيخ الطيارين اللبنانيين لأنه كان أول طيار لبناني. وفي ما بعد انطلقت الشركة الوطنية شركة طيران الشرق الأوسط لتصبح من أوائل الشركات في العالم.
يتبع...