نوال أبو حيدر
لم يعد اليوم السؤال المطروح بين اللبنانيين: لماذا ترتفع الأسعار؟ بل كيف يمكن اللحاق بها أصلا؟ فالفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة لم تعد تتّسع تدريجيا، بل باتت تقفز على نحو حادّ، حتى أصبح الراتب الشهري رقما نظريا لا يعكس القدرة الفعلية على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
في هذا المشهد الضاغط، تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان بشكل مركّب، حيث تتجاوز أسبابها الإطار المحلي لتتحوّل إلى واقع مفروض بفعل عوامل خارجية وداخلية متشابكة. وبين تضخم مستورد ينعكس مباشرة على الأسعار، وانكماش اقتصادي يطال مختلف القطاعات، تتسارع التداعيات لتترك أثرا عميقا على مستوى المعيشة والاستقرار الاجتماعي.
وفي الأسواق، تتجسّد الصورة بأوضح أشكالها. سلع أساسية تتبدّل أسعارها بوتيرة متسارعة، وقدرة شرائية تتآكل يوما بعد يوم. لم يعد التسوّق فعلا اعتياديا، بل أصبح عملية حسابية دقيقة تُحذف فيها احتياجات وتُؤجّل أخرى، في محاولة مستمرة للتوفيق بين دخل ثابت وواقع اقتصادي متحوّل.
وتبرز الطبقة الوسطى كأكثر الفئات تضررا، بعدما شكّلت تاريخيا العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي. هذه الفئة التي كانت قادرة على الموازنة بين متطلبات المعيشة والادخار النسبي، تجد نفسها اليوم أمام مصير قاسٍ.
أزمة مستوردة
من هذا المنطلق، يقول وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، لصحيفة «اللواء» إن «الأزمة التي تخيّم حاليا على لبنان تُعدّ أزمة «مستوردة»، ما يعني أن اللبنانيين ليسوا المسؤولين بشكل مباشر عنها. فالتضخم الذي يضرب الأسواق هو تضخم خارجي يطال مختلف دول العالم، ولا يقتصر تأثيره على لبنان وحده. كما أن الجزء الأكبر من الاستهلاك المحلي يعتمد أساسا على الاستيراد من الخارج، في وقت شهدت فيه الكلفة العالمية ارتفاعا ملحوظا، ما انعكس مباشرة على الأسعار في السوق اللبنانية».
صدمة اقتصادية واجتماعية
وفي سياق متصل، يعتبر البساط أن «البلاد تعيش أزمة اقتصادية تُعدّ صدمة حقيقية وغير مسبوقة، إذ تقدّر الخسائر الاقتصادية، بعيدا عن حجم الدمار القائم، بحوالي ملياري دولار، أي ما يعادل 7% من الناتج المحلي، وذلك في أقل من ستة أسابيع فقط. وقد انعكست هذه الخسائر بشكل مباشر على مختلف القطاعات، مع إقفال عدد كبير من الشركات، تراجع المعاشات وترك العديد من اللبنانيين وظائفهم، في وقت غاب فيه السياح عن لبنان وأقفلت المطاعم أبوابها».
ويتابع: «لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أزمة اجتماعية كبيرة تتفاقم بوتيرة سريعة، مع ارتفاع أعداد النازحين بشكل ملحوظ، حيث فقد نحو 20% من الشعب اللبناني منازلهم، إضافة إلى الدمار الهائل الذي طال البنى التحتية وغيرها. وتقدّر كلفة الأزمة الاجتماعية بحوالي مئة مليون دولار شهريا، تشمل نفقات الإيواء وغيرها من المتطلبات الأساسية. وفي موازاة ذلك، يواجه اللبنانيون صدمة تضخمية حادّة، بعدما ارتفعت الأسعار بشكل كبير في مختلف أنحاء البلاد، ما أدّى تلقائيا إلى تراجع القدرة الشرائية، خصوصا لدى الطبقة الوسطى. وبذلك، لم تعد الأزمة تقتصر على الخسائر الناتجة عن فقدان الوظائف أو انخفاض الرواتب، بل بات المواطن مضطرا أيضا إلى دفع المزيد من مدخراته لتأمين احتياجاته الأساسية واليومية».
خطة حكومية لاحتواء الأزمة
وفيما يتعلّق بالإجراءات التي يمكن للدولة والحكومة اتخاذها، يؤكد البساط أن «قدرة الدولة على استيعاب أزمة بهذا الحجم تبقى محدودة، في ظل تضخم مستورد وكلفة معيشية مرتفعة، إضافة إلى واقع مالي صعب للغاية، وتحدّيات كبيرة تتمثل بتراجع الإيرادات وارتفاع كلفة الإنفاق».
ومن هذا المنطلق، يشير إلى أنّ «الحكومة يمكن أن تعمل على عدة خطوات أساسية. أولها، ضمان استمرار سلاسل الإمداد بشكل شبه طبيعي، منعا لفقدان السلع من الأسواق. فعلى الرغم من الحرب القائمة، لم يُسجّل أي نقص في المواد الأساسية، إذ لا تزال المرافئ والمطارات تعمل، فيما المخزون متوافر وبكميات كافية».
ويضيف: «أما الخطوة الثانية فتتمثل بتشديد الرقابة على الأسواق، وهي من الملفات التي تعمل عليها وزارة الاقتصاد بشكل مكثف، بهدف منع التضخم المستورد من التسبب بفوضى أو انفلات في الأسعار داخل السوق اللبنانية. وفي هذا السياق، تم تنفيذ نحو 4200 كشف، وإحالة حوالى 250 مخالفة إلى القضاء منذ بداية الحرب، شملت إجراءات تصعيدية كالإحالة إلى المدعي العام المالي، وإقفال شركات ومحطات محروقات ومحال غاز بالشمع الأحمر، إضافة إلى تلف بضائع ومصادرة مولدات وسلع، فيما أودع بعض المخالفين السجن».
أما عن الخطوة الثالثة، فيوضح أنها «تقوم على الرصد اليومي لأسعار السلع الأساسية، عبر جمع بيانات دقيقة تساعد في متابعة حركة الأسعار والتدخّل عند الحاجة. وتتمحور الخطوة الأخيرة حول محاولة دعم الطبقة الوسطى قدر الإمكان، والعمل على استقطاب مساعدات خارجية من البنك الدولي والدول الأوروبية للتخفيف من تداعيات الأزمة».
أزمة كبيرة وجهود محدودة للاحتواء!
وفي الخلاصة، يختم البساط قائلا: «الأزمة كبيرة جدا، جزءا منها مستورد ولا يمكن وقفه في ظل الحرب الإقليمية القائمة. والجهود تهدف حاليا إلى معالجة الأزمة الراهنة بالوسائل والإمكانات المتاحة، في محاولة للتخفيف من تداعياتها قدر المستطاع».