بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 نيسان 2026 12:00ص من مديح الظل إلى جحيم القذائف.. كيف تكرّس الحرب نفسها في الذاكرة؟

حجم الخط
«انتظر حتى تصب الطائرات جحيمها، يا فجر بيروت الطويلا، عجّل قليلا، عجّل كي أعرف جيدا، إن كنت حيّا أم قتيلا».
ما زالت الأمهات ترثي أبنائها في الطرقات. الطائرات لا تزال تصب جحيمها ليلا ونهارا. والأيديولوجيا وعقيدة البترول المقدّس لا تزال تهتك بشعوب كانت يوما، تستحق الحياة.
ما هي إلّا مرحلة أخرى من تاريخ الصراع اللبناني - الإسرائيلي. تختلف الأسباب، والصورة واحدة. أشلاء طفل تحت الركام. رف الحمام من بين الدخان. وهياكل من قصب يدعو منها الطغاة كي تعبر سفينة.
بيروت أعطت وأعطت، والآن سئمت. اختلفت النزاعات وبقي لبنان، في موقع الضحية. حرب ما بعد، جيل ما بعد جيل، وحلم ما بعد حلم. واحد وخمسين عاما مضى على إندلاع الحرب اللبنانية، التي غيرت عقلية البلاد وخصّبت في أذهان أجيال خطاب الكراهية الذي لطالما اعتبر مكروها، وكرّست الطائفية، ثقافة.
واليوم، يتكرر المشهد. حرب لبنانية - إسرائيلية، وشارع منقسم. بعد ٥١ عاما، تأتي كلمات الشاعر محمود درويش، لا كذكرى، بل تقرير حي، للواقع العربي واللبناني.
لعبت بيروت دورا كبيرا في تاريخ الصراع الفلسطيني - الصهيوني. كان الوجود الفلسطيني في لبنان، الحجة لدخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان. العام كان ١٩٨٢ حين دخل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت. هاجر عدد من الفلسطينيين إلى تونس. وعلى متن إحدى السفن، محمود درويش، الذي كتب حينها «مديح الظل العالي».
«هذه سفني الأخيرة، ترسو دمع المدينة، وهي ترفع رايتي، لا راية بيضاء في بيروت».
في مديح الظل العالي، لا يقدم محمود درويش الظل كحالة للهرب، بل كمساحة يحب أن نسكنها، أو أن نكونها. الظل العالي ليس نتيجة الصراع أو الهجرة. بل هو مجتمع أو بيئة يتم إعادة إعمارها. والخروج منها لا يحرر، بل يخلق فراغا، لأن الذاكرة الجماعية تربّت على الصراع، فيأتي السلام كشيء لا يستطيع الفرد أن يفهمه، أو حتى يعيشه.
لدى الشاعر شعور بالفخر ممزوجا باليأس. الشيء الذي يجعل هذه القصيدة عملا خاما وصادقا. الشاعر مؤمن بما يقوله، فيصبح شعره شكلا من أشكال المقاومة وفي بعض الأحيان دعوة صريحة لها. تمتزج في هذه القصيدة الإعترافات والتصريحات، بين كل شيء شخصي وحقيقي كان يجب على محمود درويش أن يقوله. كأن القول كان أسلوبه في النجاة.
بدلا من أن تكون هذه القصيدة مضادة للحرب، تلعب دورا في الصراع. كأنها تفضح فراغها وتتأقلم مع وجودها. المعاناة موجودة، وتكرم وتمجد. ولكن هذا التكريم والتمجيد يخلق توتر عند القراءة، وتجد الكلمات جمالها عند التكلم عن الدمار. ليس لرومانسيته بل كي يستطيع تحمله. وهنا يطرح سؤال: هل البحث عن الجمال في الأحداث القبيحة يخاطر بجعل القبح مقبولا؟
بيروت عند درويش ليست مدينة عادية، بل مكان يعطي بلا حساب، بلا منطق، وكأن العطاء فيه فعل قائم بذاته. لكنها ليست بساطة كرم، بل استنزاف مستمر. مدينة تعطي حتى حين لا يبقى فيها شيء، وربما تطلب من أبنائها أن يفعلوا الشيء نفسه. لذلك علاقة الشاعر بها ليست مجرد إعجاب، بل أقرب إلى نوع من التعلّق العاطفي العنيف، حبّ يستمر رغم الخراب، وربما بسببه.
ربما لا يكون الخطر في الجمال نفسه، بل في الاعتياد عليه. حين يصبح الدمار قابلا للوصف، قابلا للصياغة، قابلا لأن يُقال، فإنه يفقد شيئا من صدمته. لا لأننا لم نعد نراه، بل لأننا تعلمنا كيف نراه دون أن ننكسر. وهنا تتحول اللغة من وسيلة نجاة إلى وسيلة تكيّف. لا تُنهي الحرب، بل تجعلها ممكنة الاحتمال. وربما، في هذا الاحتمال، يكمن أخطر أشكال الاستمرار.
في هذا السياق، تبدو الهوية ثابتة ظاهرياً، بين فلسطين وبيروت، لكنها في الحقيقة قائمة داخل «الظل» نفسه. المنفى لا يُحلّ، بل يُعاش ويترسّخ كحالة دائمة، حيث لا يعود هناك فصل واضح بين المقاومة والانتماء والخسارة، بل تصبح كلها تجربة واحدة مستمرة.
«ألف قذيفة أخرى ولا يتقدم الأعداء شبرا واحدا... ما زلت حيّا - ألف شكر للمصادفة السعيدة. يبذل الرؤساء جهدا عند أميركا لتفرج عن مياه الشرب».
أجد نفسي اليوم أعيش في ظل ما كتبه درويش. في الثامن من نيسان، الأربعاء الأسود، نفّذ الجيش الإسرائيلي مجزرة بحق لبنان. جعلتني أتذكر أبيات عدة من القصيدة. الأفكار نفسها تكرر. الأسطل المكسور الذي لا نستطيع تصليحه. تصب الطائرات جحيمها علينا. وانتظار القذيفة. انتظر القذائف يوميا لدرجة انني اصبح مهووس بصوت القصيدة كي استطيع ان ادرك انني سأفيق بأمان.  بدأ القلق من النوم لأنني لا أريد أن استيقظ قتيلا.
في الظل الذي كتبه درويش، لا نخرج من الحرب، بل نتعلم كيف نعيش داخلها.
«لولا هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى».
التاريخ يعيد نفسه. المشروع الإمبريالي الآن قريب جدا من نظام الاستعمار بالأمس. ويخلّف نفس النتائج. أكثر بشاعة. تتجه أنظارنا إلى بغداد. كان العراق في العقود الماضية قد وقع ضحيّة هذه الدول اللقيطة. لكننا لم نكترث. هنا لا ندافع عن الأنظمة، بل ندافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لأن القرار اليوم، كما كان، عند أصحاب البترول.
وكأننا مررنا من نزاعات هذه المنطقة مرور الكرام لكننا لم نستفد من كثرة الموت شيء. إذا أردنا التكلم من المنظار الوطني اليوم. نستطيع أن نقول أن الحركة الوطنية الأمس ضحّت بنفسها وبلبنان من أجل قضايا إقليمية. واليوم فعلا، يضحى بلبنان من أجل قضية اقليمية أخرى. يستنجد لبنان مرار وتكرار الثقة بالشيطان نفسه من أجل تحقيق هدف موهوم. ولكن اليوم والأهم، هو القرار السيادي، ودولة جامعة نستطيع أن نثق بها، ثم نعمل على حل النزاعات التي قد تدفعنا كلنا إلى المقاومة.
الرابح الأكبر، شركات استخراج النفط، وربما الأسلحة. أو سياسي يريد تطهير صورته. دولة تريد استعباد شعبها أكثر. والخاسر، ليس لبنان الدولة، بل هي أم خسرت ابنها، رجل خسر بيته من جراء قصف غادر. هو طفل خسر البراءة ومواطن فقد الشغف في بلده، وأصبحت أكبر آماله الهجرة.

أحمد حمود