بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 نيسان 2026 12:30ص هدنة هشّة.. أم مسار سلام؟

حجم الخط
تسارعت التطورات في الساحة اللبنانية على نحو لافت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مدفوعة بإيقاع اتصالات سياسية رفيعة المستوى بين واشنطن وبيروت، بلغت ذروتها في الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس اللبناني ميشال عون، والذي أفضى إلى إعلان وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام. خطوة بدت للوهلة الأولى كإنجاز سريع، لكنها في العمق تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، خصوصاً حول مدى صمود هذا الاتفاق الهش أمام الوقائع الميدانية المعقدة.
المعضلة الأساسية تكمن في السلوك الإسرائيلي المتوقع خلال فترة التهدئة. فإذا عادت إسرائيل إلى سياسة ملاحقة عناصر وقادة حزب الله تحت ذريعة «حرية الحركة» لمنع أي تهديد أمني، فإن وقف إطلاق النار سيتحول عملياً إلى غطاء شكلي لعمليات عسكرية مستمرة. في هذه الحالة، إذا قرر الحزب الرد، ستعود الأمور سريعاً إلى نقطة الانفجار، ويكشف أن الاتفاق لم يكن سوى هدنة مؤقتة بلا أسس صلبة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل النجاح الأميركي في فصل المسارات الإقليمية عن بعضها البعض. فقد تمكنت واشنطن من عزل الجبهة اللبنانية عن مسار التصعيد مع طهران، سواء عبر تثبيت وقف الحرب في إيران، أو من خلال الاستمرار في إدارة المواجهة مع حزب الله ضمن الساحة اللبنانية حصراً. هذا الفصل تعزز أيضاً برفض واشنطن إدراج الملف اللبناني على جدول النقاش مع الوفد الإيراني في إسلام آباد، في إشارة واضحة إلى رغبتها في احتكار إدارة هذا الملف بعيداً عن أي مقايضات إقليمية.
غير أن هذا «النجاح» يحمل في طياته مفارقة خطيرة. ففصل المسارات قد يمنح واشنطن هامش حركة أوسع، لكنه في الوقت نفسه يترك لبنان مكشوفاً أمام ضغوط إسرائيلية متزايدة، خصوصاً إذا اعتبرت تل أبيب أن لديها ضوءاً أخضر غير معلن لمواصلة عملياتها تحت سقف التهدئة. هنا تحديداً تظهر جدية الدور الأميركي: هل تكتفي واشنطن برعاية اتفاق شكلي، أم تمارس ضغطاً فعلياً على إسرائيل لفرض التزام كامل بوقف إطلاق النار؟
المؤشرات الأولية لا توحي بضمانات كافية. تاريخ التجارب السابقة يظهر أن إسرائيل غالباً ما تختبر حدود أي اتفاق عبر خروقات محسوبة، تبدأ بعمليات محدودة وقد تتدحرج سريعاً إلى تصعيد واسع. وفي ظل غياب آلية رقابة صارمة، يبقى وقف النار عرضة للانهيار عند أول احتكاك ميداني.
بين هدنة هشة وتصعيد محتمل، تبدو الأيام العشرة المقبلة كأنها اختبار مكثف لمستقبل الاستقرار في لبنان: إما تثبيت مسار التهدئة والمفاوضات والسلام، أو سقوط سريع يعيد خلط الأوراق على نحو أكثر درامية.