في عيد الأم، نقف اليوم لا لنحتفل كما اعتدنا، بل لنشهد…
نشهد على صمودٍ لا يُدوَّن في القوانين، ولا يُحفظ في أرشيف المحاكم، بل يُنقش في ذاكرة الحياة نفسها، كحقيقةٍ لا تقبل الطعن ولا تُمحى بمرور الزمن.
نشهد على قلبٍ يتّسع للخوف والحب معًا، ولا ينكسر رغم كل ما يحيط به من انهيار.
اعتدتُ أن أدافع عن الحقوق، أن أبحث عن العدالة بين النصوص، وأن أُجاد ل بالحجج والبراهين…
لكن أمام الأم، في زمن الحرب، تسقط كل المرافعات، ويصمت القانون، لأن الواقع يفوق كل نص، والوجع أكبر من أن يُختصر بحكم.
وهنا، تصبح الإنسانية هي الحكم الوحيد، وتكون الأم دليلها الحي.
أيُّ قانونٍ هذا الذي يمكنه أن ينصف أمًّا تخاف على أطفالها من صوتٍ قد يكون الأخير؟
قانونٌ يعجز عن حماية نبض قلبها، حين يتحول الخوف إلى رفيقٍ دائم لا يُدان ولا يُردع.
قانونٌ لا يسمع دعاءها الصامت، ولا يرى كيف تحرس أنفاسهم وهي ترتجف.
وأيُّ نصٍّ يمكنه أن يُجرّم الخوف المزروع في عيون الصغار، أو يُعاقب القلق الذي يسكن قلبها كل ليلة؟
نصٌّ يقف عاجزًا أمام دمعةٍ تُخفى، وأمام رجفةٍ لا تُكتب في محاضر ولا تُسمع في قاعات.
نصٌّ لا يعرف أن بعض الألم يُعاش ولا يُثبت.
وأيُّ محكمةٍ تستطيع أن تُعيد للأم طمأنينتها حين يصبح الغد احتمالًا لا وعدًا؟
محكمةٌ لا تملك أن تحكم للحياة، حين تكون النجاة نفسها قضية مؤجلة.
ولا تملك أن تعوّض قلبًا اعتاد أن يخاف قبل أن يحلم.
في زمن الحرب، الأم ليست فقط حاضنة للحياة…
بل شاهدة على الألم، وحارسة للذاكرة، وصانعة للأمل في أكثر اللحظات قسوة، كأنها تعيد خلق المعنى من بين الركام.
كأنها تقول للحياة: ما زال فينا ما يستحق أن يُنقذ.
هي التي تعيد ترتيب الفوضى بابتسامة متعبة، وتُخفي ارتجاف صوتها كي لا يسقط الأمان من حول أطفالها، فتُقيم توازنًا هشًّا بين الخوف والطمأنينة.
هي التي تزرع الطمأنينة في قلوبهم، ولو كانت لا تجدها لنفسها.
هي التي تُقنعهم أن الغد أجمل، بينما هي تقاتل في داخلها خوفًا لا يُرى، وتُخفي معاركها كي لا يرثوا هشاشتها.
وتمنحهم قوةً لم تُمنح لها، فقط ليبقوا واقفين.
في زمنٍ تُنتهك فيه الحقوق، تبقى الأم هي الحقّ الذي لا يسقط،
والقضية التي لا تقبل التأجيل،
والحقيقة التي لا تحتاج إلى إثبات، لأنها مكتوبة في كل تضحيةٍ لا تُعلن.
هي البرهان الوحيد أن الحب يمكنه أن يصمد حيث يفشل كل شيء.
في عيدكِ، أيتها الأم، لا نقول كل عام وأنتِ بخير…
بل نقول: كل يوم وأنتِ الصبر حين ينفد،
والنور حين يعتم الطريق،
والحياة حين تضيق الحياة، لأنكِ وحدكِ من تُعيدين تعريف البقاء.
ولأنكِ وحدكِ من تجعلين الخوف أقل قسوة، والحياة أكثر احتمالًا.
قولًا واحدًا يليق بكِ:
أنتِ العدالة التي عجزت الحروب عن كسرها.
(*)باحثة قانونية في قضايا حقوق الانسان