بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

2 نيسان 2026 12:00ص لبنان يشهد الألم بلا نهاية

حجم الخط
المحامية رنا عمر زين

تمتلئ شوارع المدن اللبنانية اليوم بأصوات الصواريخ والانفجارات المتلاحقة، في ظلّ عدوانٍ مفروض من الخارج، حيث تحوّلت الطرق المدمّرة إلى ذاكرة مفتوحة للوجع، واختلطت في وعي المواطنين صور الخوف برائحة الدمار والغبار. وفي خضمّ هذا المشهد القاسي، تقف الجدران المهدّمة شاهدةً صامتة على الخراب اليومي، وعلى عجز القوانين الوطنية والدولية عن حماية الأبرياء، في صورةٍ تفضح الهوّة المؤلمة بين النصوص القانونية وواقع يُنزف كلّ يوم. ومع ذلك، ورغم هذا السواد الممتدّ، يظلّ بصيص الأمل يتسلّل بخجلٍ إلى النفوس المثقلة بالحزن، كأنه يقاوم الإنطفاء في أحلك الظروف.
ومن رحم هذا الألم المتواصل، يواصل الناس التشبّث بالحياة، فيزرعون الأمل بين الركام، وكأنّهم يواجهون الفناء بقلوبٍ متعبةٍ، يحرسون بين أطلال بيوتهم أملًا صغيرًا يشبه شعاع شمس خجول. وفي امتداد هذا الصمت المقاوم، تتجلّى قوة الإرادة الإنسانية، حيث تبقى العدالة فكرة حيّة في الوجدان، حتى وإن طال غيابها، لأن الألم حين يبلغ ذروته، لا يطلب سوى حقٍّ بسيط: أن يُنصف.
وفي مقابل هذا الصمود الإنساني، يبرز وجه آخر أكثر قسوة، يتمثّلُ في معاناة الأطفال. فتحلّ أصوات الانفجارات مكان ضحكات اللعب، ويقتلعهم الركام من مساحات الأمان، فيكبرون قبل أوانهم تحت وطأة خوفٍ دائم لا يفارقهم. وهكذا تُسلبُ طفولتهم على مرأى العالم، وتتحوَّلُ براءتهم إلى ذاكرة خوفٍ مستمرٍّ، في انتهاك صارخ لحقهم في حياةٍ كريمةٍ، ذلك الحق الذي لا يجوز أن يُعلَّق أو يؤجَّل أو يُبرَّر تحت أي ظرف.
ففي حصيلة هذا العدوان، لم تُدمَّر الأبنية وحدها، بل إنكسرت معها ذكرياتٌ وأحلامٌ وأماني صغيرة كانت تمنح الحياة طعمًا. ومع ذلك، لم تُكسر إرادة البقاء. إذ يتمسّك اللبنانيون، رغم الخسارات الفادحة، بخيطِ أملٍ رفيعٍٍ، يختزنون من خلاله ضوء الغد، حتى وإن تخالله دخان الحروب وأصوات الرعب.
غير أنّ الألم الأعظم لا يكمن في الدمار وحده، بل يتجاوزُ ذلك إلى صمت العدالة ذاتها. فالقواعد القانونية ظلت عاجزة عن التحوّل إلى واقع فعليّ يصون الحقوق ويمنع الانتهاكات. ويُضاعف هذا الغياب من حدَّة الجرح، ويزرع شعورًا عميقًا بالخذلان، وكأنّ الحقوق تُنتَهك مرتين: مرة بالقصف، ومرة بالصمت الذي يخنق حتى الامل بالإنصاف.
وفي إمتداد طبيعيّ لهذا الواقع المؤلم، يستمرُّ الأطفال في النموّ وهم يرزحون تحت وطأة الخوف الدائم، فتتشكّلُ طفولتهم في ظلّ قلق مستمرّ يسرقُ منهم الاحساس بالأمان، ويحوّل أبسط تفاصيل حياتهم الى مصدر رهبة لا ينتهي. 
وفي هذا السياق الراهن تحديداً، يظهر لبنان ليس فقط كأرضٍ مثقلةٍ بالجراح، بل كقصةٍ إنسانيةٍ حيَّة وموجعةٍ تختصر معنى الصمود في وجه الظلم، وتضع العالم أمام سؤالٍ ملحٍ لا يحتما التأجيل: كيف يمكن للعدالة أن تتأخر كل هذا الوقت، فيما يكبرُ الأطفالُ في ظلّ الخوف، ويعيش الضحايا على جرح لا يلتئم؟
وعليه، فإنّ ما يحدث اليوم لا يختبر قوة الشعب وحده، بل يضع ضمير الإنسانية جمعاء على المحكّ، مؤكّداً أنّ العدالة لم تعد مجرَّد مطلبٍ مؤجّلٍ، بل غدت صرخة إنسانية عاجلة، لا يجوز ان تظلّ معلَّقة في وجه هذا الألم المستمرّ.

*باحثة قانونية في قضايا حقوق الانسان
أخبار ذات صلة