متى تعود الرياضة إلى قواعدها الأخلاقية الناظمة؟
الرياضة كهواية واحتراف تطوّرت تبعاً للتطور العام الذي طرأ على مجرى الحياة العامة. فهي مادة تدرّس في المدارس والجامعات، وأصبحت لها مؤسساتها وهياكلها، وبات لها وزارة تدير شؤونها وتشرف عليها. ولهذا باتت الرياضة على تعدّد أنواعها تشغل حيزاً هاماً من حياة الناس ومساحة واسعة من اهتمامهم، وبالتالي لم تعد مادة للتسلية والترفيه وتمضية الوقت اللهروب من هموم الحياة وتضييق مساحة الفراغ في حياة الإنسان خارج نطاق العمل. ومع التطوّر الذي طرأ على مسارها باتت واحدة من الفعاليات الإنسانية التي تحكمها الضوابط والأنظمة والقوانين الآمرة، خاصة بعدما خرجت من الحدود الوطنية للدول الى المجالين القاري والدولي. وأصبحت تنظم دورات عالمية لمختلف أنواعها، لكن الأهم فيها هي كرة القدم التي تتقدم شعبيتها على أية رياضة أخرى.
لكن بالقدر الذي تطوّرت فيه الرياضة، بجوانبها الفنية والتنظيمية والتقنية وهو ما أحدث تحوّلاً يصنّف في الخانة الإيجابية، فإنها في المقابل أصبحت واحدة من مجالات الاستثمار المالي والاقتصادي واستطراداً السياسي. وعندما تصبح الرياضة مادة يتم الاستثمار الإعلاني والتجاري فيها، تتراجع القواعد الأخلاقية التي يفترض أن تكون ناظمة لها يوم كانت تبدأ حصتها التدريسية بالتعريف بها انطلاقاً من قاعدة ان العقل السليم في الجسم السليم، وان الروح الرياضية هي الأساس التي تحكم العلاقة بين المتنافسين والمتبارين، والخصومة في المبارزة في القاعات والملاعب هي خصومة شريفة، من يفوز يفرح وهذه من طبائع الأمور، ومن يخسر يترح، وهذه أيضاً من الطبائع الإنسانية. لكن حسب القواعد الأخلاقية للرياضة، لا الفائز يكيد الخاسر، ولا الخاسر يحقد ويضمر شراً بالفائز.
هذه القواعد العامة التي يفترض أن تحكم قواعد الرياضة، يبدو انها لم تعد كذلك بعد أن أصبحت واحدة من ميادين الاستثمار المالي، أسوة بأية تجارة أخرى. ومن المعروف ان من يسعى للاستثمار في مجال التجارة يتعامل مع السلعة بمبدأ الربح والخسارة، وهدفه دائماً تحقيق الربح وعلى قاعدة الغاية تبرر الوسيلة.
ان الرياضة التي تحوّلت الى سلعة استثمارية، لم تعد تخضع لقواعدها الأخلاقية بل أصبحت تخضع لمنظومة قواعد تتعلق بالتسويق التجاري والذي تتحكم به القوى الأكثر امتلاكاً لمواقع النفوذ المالي والإعلامي والسياسي، وما دخلت السياسية المنسلخة عن ضوابطها الأخلاقية شيئاً إلّا أفسدته.
وكما المستثمرين في الحقول الاقتصادية وفي كل مجالاتها يسعون الى حماية مصالحهم بشبكة من العلاقات السياسية والمالية مع هم في المواقع المنظورة وغير المنظورة في أنظمة الحكم والسلطة، فأن الاستثمار في الرياضة لا يشذ عن هذه القاعدة، حيث المافيات المالية، تسيطر على النوادي الكبرى، كما تسيطر على وسائل الإنتاج، وتمارس نفوذها لسن تشريعات تلاءم ما تصبو إليه في الاستثمار بهذا القطاع الحيوي. وأكثر من ذلك فإنها تتحكم بالهياكل الإدارية للاتحادات الوطنية والقارية والدولية ولجان التحكيم.
ان تحويل الرياضة الى سلعة استثمارية، أدّى حكماً الى تفريعات استثمارية إعلامية وإعلانية وتسويقية ومراهنات ضخمة خاصة في الدورات القارية والدولية وأهمها كأس العالم لكرة القدم. والذين أدخلوا الرياضة مجال الاستثمار التجاري، لا يستثمرون بالفرق الرياضية بما تجنيه من مردود وحسب، بل يضيفون الى استثمارهم التركيز الإعلامي على بعض اللاعبين لجعلهم نجوماً مميّزة، يتم الاستثمار بها في التسويق الإعلاني لسلع استهلاكية وعلامات تجارية ووسيلة لتبييض الأموال. ولهذا فان الرياضة التي تحوّلت في ظل هيمنة الرأسمال الاستثماري عليها الى سلعة، فقدت براءتها، وهذا يبرز جليّاً في الفضائح المالية والتحكمية والتدخّل السياسي فيها التي ترافق كل مباريات دولية كبرى وآخرها ما ظهر في دورة كأس العالم لعام ٢٠٢٦.
فالرئيس الأميركي يتدخّل مباشرة لاسترداد بطاقة حمراء بحق لاعب أميركي، وحكم صومالي يمنع من الدخول الى أميركا وهي الملزمة بتسهيل الدخول الى أراضيها بالنسبة لأعضاء الفرق والأطقم الإدارية والطبية والحكام. ورئيس الفيفا، يتربع على رأس سلطة إدارية بات الفساد ينخرها من أسفلها الى أعلى هرمها. والتحكيم لم يعد تحكيماً نزيهاً وحيادياً، بل بات غب الطلب وفي خدمة مافيات المال المهيمنة على رياضة كرة القدم باعتبارها الأكثر شعبية والأكثر مدراراً للربح والأوسع انتشاراً، ومافيات المراهنات لم تتوانَ عن استعمال أقذر الوسائل الترهيبية والترغيبية لحماية استثماراتها في هذا المجال. وعندما تستطيع فيتنام أن تكتشف وتفكك شبكتي مراهنات على العالم بقيمة ١٣٣ مليون دولار، فهذا ليس سوى غيض من فيض ينخر جسم المتعاملين مع هذا القطاع الحيوي. وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإنه دورة «المونديال» لعام ١٩٩٤ قتلت مافيا المراهنات المدافع الكولومبي «اندرياس اسكوبار» لانه سجل بالخطأ هدفاً في مرمى فريقه، مما تسبب في إقصاء كولومبيا من دور المجموعات وخسارة عصابات المراهنات مبالغ طائلة.
وكي لا نبعد كثيراً، في إبراز الأدلة، يكفي الوقوف على ما يسمّى بالأخطاء التحكمية في الدورة الحالية لكأس العالم والتى تسمّى تقنياً بهذا الاسم فيما الحقيقة انها تواطؤ مكشوف بين الحكام مع حيتان المال وعصابات المراهنة ان لم نقل شراء ذمم. إذ بعد خروج ألمانيا والبرازيل وهولندا، وهي من الفرق المرشحة دائماً للفوز بكأس العالم والتي يتم المراهنة عليها، لم تعد عصابات المراهنة تحتمل خروج فريق مرشح وهو فريق الأرجنتين وهو فريق مراهن عليه ويضم بين صفوفه لاعباً وان كان يملك مهارات فنية إلّا انه لم يصبح نجماً ومادة للمراهنة إلّا بفعل التسويق الإعلامي والإعلاني له ولهذا تستميت المافيات التي تستثمر في نظام المراهنات على أن لا يخرج من الأدوار الإقصائية، لذا كان لا بد من تأمين عبوره بتوفير انحياز الحكام له. وهذا ما بدا جليّاً في مباراة مصر والأرجنتين بانحياز طاقم الحكام وخاصة حكم الساحة. ولذلك فإن فوز فريق الأرجنتين لم يكن بسبب المهارات والخبرة التي يمتلكها بعض اللاعبين وحسب، بل أيضاً بسبب القرار المسبق المتخذ في كواليس إدارة الفيفا والتي زُوِّدَ حكام المباراة بكلمة سرها.
ان مصر خرجت من الدور الإقصائي بقرار من الفيفا وعصابات المراهنة والذي نفذه جهاز التحكيم دون وجل أو خجل، وهذا لا نقوله لأسباب عاطفية تشدّنا الى فريق عربي، بل لحجّة جهابذة كرة القدم في العالم، التي ترتقي شهادتهم بما حصل في ملعب «اتلانتا» حد الإدانة للتحكيم الذي ظلم فريقاً مارس اللعب النظيف متكئا على تصميم اللاعبين على الفوز، فيما الفريق الآخر كان يتكئ على دعم الغرف السرية في إدارة الفيفا وعصابات المافيا والمراهنات.
فمتى تعود للرياضة عذريتها؟ الجواب، عندما تعود إليها قواعدها الأخلاقية الناظمة لها، ولا تعود سلعة للاستثمار التجاري وصناعة النجوم وعصابات المراهنة.





