بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

18 نيسان 2026 12:05ص من إعلام العدو: إستخفاف إسرائيلي متمادٍ لتحوُّل لبنان إلى ساحة إستراتيجية

حجم الخط
تسفي برئيل

لم تُجرَ المكالمة الهاتفية التي كان من المفترض أن تتم يوم الخميس بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، وأصبحت هذه المكالمة – أو بالأحرى عدم حدوثها – الاختبار المركزي والأهم لحلّ الحرب في لبنان، لكن الاهتمام الإعلامي المبرَّر بهذه المكالمة تجاهل حقيقة أنه حتى قبل أيام قليلة فقط، كانت الحكومة اللبنانية ورئيسها يُعتبران في إسرائيل الرسمية غير ذوَيْ صلة.
 إن التصريحات الصادرة عن القيادة اللبنانية، التي تُسمع منذ 16 شهراً وتؤكد أن لبنان اختار السير في مسار يبدو كأنه مواجهة حتمية مع حزب الله، قوبلت في إسرائيل بتجاهُل واستخفاف. وحتى عندما أعلنت الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي أنها أصدرت تعليمات لجيشها بإعداد خطة عملياتية للسيطرة على سلاح حزب الله في الجنوب اللبناني، لم يتأثر الجيش الإسرائيلي، ولا الحكومة الإسرائيلية، بشكل كبير. • هذا التحول التاريخي، الذي سحبت الحكومة اللبنانية، بموجبه، الشرعية العسكرية من حزب الله، فضلاً عن التوبيخ العلني الذي وجّهه عون إلى إيران مؤخراً عندما طالبها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، تم التعامل معه في إسرائيل بطريقة ساخرة، مدعومة بقضية السفير الإيراني الذي لم ينجح لبنان حتى اليوم في طرده من أراضيه. أضيفت إلى ذلك تقارير تفيد بأن الجيش اللبناني، على الرغم من أنه صادرَ كمية معينة من السلاح وسيطر على بعض قواعد حزب الله في جنوب البلد، فإن الفجوة بين «تفكيك كامل للتنظيم»، مثلما تطلب إسرائيل، وبين ما يتم على الأرض، لا تزال بعيدة جداً عن تلبية التزام لبنان، وفق اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701 الذي يستند إليه.
 حتى عندما أمرت الحكومة اللبنانية جيشها باعتقال كلّ مَن يحمل سلاحاً غير مرخّص، ومؤخراً، رفضت بشدة التدخل الإيراني في جهودها للتوصل إلى وقف إطلاق نار «لمصلحتها»، واصلت إسرائيل القصف في لبنان، الأمر الذي أدى إلى تهجير نحو مليون ومئتي ألف شخص، وسيطرت على شريط أمني بعمق عدة كيلومترات، وبنَت قواعد في المناطق التي احتلتها، ووسّعت ضرباتها في بيروت وسهل البقاع، وهددت «بإعادة لبنان إلى العصر الحجري».
 إن تسلسُل الأحداث الذي سبق المحادثات التي جرت في باكستان بين إيران والولايات المتحدة يوم السبت الماضي، والتي هدد فيها رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف بالانسحاب من المفاوضات إذا لم يُعلَن وقف إطلاق النار في لبنان، أجبر إسرائيل في النهاية على التراجع، بعد أن أمر الرئيس دونالد ترامب نتنياهو بتقليص حجم الهجمات في بيروت وسهل البقاع، والبقية معروفة. 
إن اللقاء غير المسبوق الذي جرى يوم الثلاثاء في واشنطن بين السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، «فجأة» حوّل لبنان إلى صديق وشريك وحليف، بل حتى إلى وجهة سياحية ملموسة يجب الإسراع في التعرف إلى مطبخها. فحتى زيارة لبنان لا تحتاج إلى حجوزات طيران؛ يمكن الوصول إليه بالسيارة، أو بالدبابة.
 أمّا رفض رئيس لبنان الاتصال بالرقم الدولي 972 والتحدث مع نتنياهو بودّ، فقد اعتُبر فوراً خيبة أمل عميقة، وإهانة ليد إسرائيل الممدودة للسلام، و»تعزيزاً» لحزب الله، ودليلاً على ضُعف الحكومة اللبنانية – إن كان هناك حاجة إلى دليل – ومكافأة لإيران، وليس أقل من ذلك.
 لكن لبنان، الذي كان يُفترض أن يكون ساحة ثانوية – منفصلة عن الجبهة الرئيسية مع إيران، والتي اعتُبرت هامشية في مجال رؤية واهتمام ترامب حتى بداية الحرب – لم يعُد مجرد مساحة مواجهة مستمرة بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح الآن جزءاً عميقاً من المسار الدبلوماسي الذي يربط بين إيران والولايات المتحدة، والمفاوضات بشأن مضيق هرمز والاتفاق النووي. ومن وجهة نظر إيران، فهو جزء لا يتجزأ من أيّ اتفاق يمكن أن يُبرَم بينها وبين الولايات المتحدة.
 ترى إيران، التي رفضت بشكل قاطع أيّ نقاش في علاقاتها بأذرعها الإقليمية، في التقارب بين لبنان وإسرائيل، وفي الجهود الأميركية لدفع العلاقات بينهما، محاولة لفرض وقائع سياسية تتجاوز رفضها فك الارتباط مع هذه الأذرع.
عندما أثار الإعلان بشأن المكالمة الهاتفية بين عون ونتنياهو اهتمام الإعلام العالمي، أدركت إيران أن هذه المكالمة، أكثر من اللقاء الدبلوماسي المباشر الذي جرى في واشنطن، قادرة على إلحاق ضرر مباشر باستراتيجيتها الدبلوماسية والسياسية، فسارع قاليباف إلى الاتصال مباشرةً بنظيره رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، و»ذكّره» بأن مفتاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا يرتبط فقط بالتطورات الميدانية، بل أيضاً بـ»المحور الإقليمي»، أي إيران.
 وأوضح قاليباف أن «وقف إطلاق النار في لبنان لا يقلّ أهميةً، بالنسبة إلينا، عن وقف إطلاق النار مع إيران.» 
عون يريد بقوة التوصل إلى وقف إطلاق النار، لكنه لا يريد أن يأتي ذلك عبر إيران، وكنتيجة ثانوية لصراع القوى بينها وبين الولايات المتحدة، بل يريد وقفاً لاطلاق النار يُعد إنجازاً له، وللحكومة اللبنانية. «الشريكان» الوحيدان القادران على منحه هذا الإنجاز هما نتنياهو وترامب، وحتى وقت قريب، لم يُبدِ أيّ منهما استعداداً للمساعدة.
 وبشكل متناقض، فإن تدخُّل إيران و»العناق الخانق» الذي تحاول تقديمه للبنان هو ما أوضح لترامب أن لبنان يتحول إلى ساحة استراتيجية، وأن مطلب نزع سلاح حزب الله، مهما كانت أهميته، ليس واقعياً فقط – كما يعتقد الجيش الإسرائيلي، وحسبما قال مبعوثه الخاص توم برّاك سابقاً – بل إنه تسبّب بحرب تصبّ في مصلحة إيران؛ وإذا كان وقف إطلاق النار، المحدّد زمنياً، الذي أعلنه ترامب أمس سيُطبَّق ويستمر، فسيكون أول إنجاز مهم تستطيع الحكومة اللبنانية تقديمه كنتيجة لسياساتها.
 وسيتمكن الرئيس عون من استخدام هذا الإنجاز، ليس فقط لتبرير اللقاء المباشر بين الوفود الإسرائيلية واللبنانية، بل أيضاً الخطوات السياسية المقبلة: استئناف المفاوضات بشأن ترسيم الحدود، ومناقشة الترتيبات الأمنية، وربما أخيراً إجراء مكالمة هاتفية بين عون ونتنياهو. 
لكن النقاش الأساسي يجب أن يتركز على مواءمة التوقعات بين الأطراف؛ فالجيش اللبناني لن يتحول خلال يوم واحد، أو عشرة أيام، إلى قوة هائلة تهاجم معاقل حزب الله وتفجّر مواقعه في أنحاء البلد، وأيّ خطة عمل واقعية يجب أن تتعامل مع الحكومة اللبنانية كشريك مصالح يعمل في داخل ساحة شديدة الانفجار تسعى لتقويضه، وتعزيز هذه الشراكة الضرورية لا يمكن أن يقوم على مطالب قصوى لا يستطيع حتى الجيش الإسرائيلي الالتزام بها.
 نبيه بري، زعيم حركة «أمل» الشيعية، الذي دعم خلال الفترة الأخيرة سياسة «حصر السلاح في يد الدولة»، بل خاض خلافات مع إيران في هذا الشأن، تبنّى تصريحات قاليباف. وقال في بيان صدر بعد الاتصال: «نحن، أهل المقاومة، ثابتون على موقفنا، وأيّ تواصل، أو تشاور مع الكيان الصهيوني، لا يصبّ في المصلحة اللبنانية إطلاقاً.» إن التحول في مواقف برّي، البالغ من العمر 88 عاماً، ليس حدثاً استثنائياً، فلطالما لعب دور وسيط بين حزب الله والأميركيين في جولات تفاوُض سابقة. وهو ليس «رجل إيران» في لبنان، لكنه يدرك قوتها الكبيرة، وحزب الله يحتاج إليه بقدر ما تحتاج إليه الحكومة اللبنانية التي طلبت دعمه قبل إعلان قرارها بشأن التفاوض مع إسرائيل، وفي لعبة توازُن القوى بين إيران والحكومة اللبنانية، تلعب الاعتبارات السياسية دوراً مهماً لدى برّي، الذي يستطيع تقديم نفسه «حامياً الشيعة» تماماً مثل حزب الله.
 ترى إيران أن التقارب بين لبنان وإسرائيل، والجهود الأميركية لتعزيز العلاقات بينهما، هو محاولة لخلق وقائع سياسية تتجاوز رفضها التخلّي عن أذرعها، وتصريح برّي أوضح لعون أن المكالمة الهاتفية مع نتنياهو يمكن أن تتحول إلى ذريعة لحرب داخلية ربما تنزلق إلى مواجهات عنيفة، بل حتى إلى حرب أهلية. وهذا هو القلق الذي يرافق عون منذ قراره مواجهة حزب الله بشكل مباشر بشأن مسألة نزع سلاحه. • ولاحتواء هذا التهديد، تبنّى الرئيس اللبناني سياسة مرنة تجلّت في خطة المراحل للجيش اللبناني: أولاً نزع السلاح في الجنوب اللبناني ببطء وحذر، مع مراعاة شروط حزب الله؛ ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية شمال نهر الليطاني، من دون تنفيذ فعلي، مع تصريحات عن نيات مستقبلية لنزع السلاح بالكامل، عبر حوار مع التنظيم. غير أن استئناف القتال بين إسرائيل وحزب الله، وحجم الدمار والقتل – أكثر من 1800 قتيل منذ بداية آذار/مارس – وتفجير الجسور على نهر الليطاني، والذي يهدد بعزل الجنوب اللبناني عن بقية البلد، وضع عون في مأزق صعب؛ فليست سلطته وسلطة الحكومة فقط تحت الاختبار، بل إن حزب الله، على الرغم من ضعفه وهشاشته، فإنه يعيد ترسيخ مكانته السياسية كقوة تملي مسار الدولة، ومعه أيضاً مكانة إيران.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية