جاك نيريا
إن الأحداث الأخيرة في سوريا، وخصوصاً المجزرة التي ارتُكبت بحق الطائفة الدرزية في السويداء، وتصاعُد التوتر بين إسرائيل وسوريا، أمور كلها ألقت بظلالها على التغيّرات الجذرية التي طرأت في لبنان.
لقد أعلن المبعوث الأميركي توماس برّاك خلال زيارته الثالثة للبنان، في مؤتمر صحافي، أن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، والذي وُقِّع في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قد فشل. وأوضح برّاك أسباب الفشل، وركّز على رفض حزب الله نزع سلاحه، وعجز الحكومة اللبنانية عن التعامل مع الميليشيات الشيعية.
وأكد برّاك أنه بات على الحكومة اللبنانية إيجاد حلّ داخلي، لأن الولايات المتحدة لم تعُد في موقع يسمح لها بطلب تنازلات جديدة من إسرائيل. تلك التنازلات كانت مشروطة بتعهدات قدّمتها الحكومة اللبنانية، ووافق عليها حزب الله، تقضي بنزع سلاح التنظيم «الإرهابي».
جاءت هذه التصريحات في أعقاب سلسلة استفزازات من حزب الله، تمت بموافقة ضمنية من الحكومة اللبنانية. فخلال مراسم عاشوراء، نظّم الحزب عرضاً مسلحاً في شوارع بيروت. وعلى الرغم من القبض على بعض المشاركين وإعلان نية إحالتهم على القضاء، تم إطلاق سراحهم لاحقاً.
الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم جدّد تأكيده أن الحزب لن ينزع سلاحه ما دامت إسرائيل «تحتل الجنوب اللبناني»، وفق زعمه. وفي رأيه، إن هذا الموقف تعزّز بعد هجمات الجهاديين على الدروز في السويداء، وعلى العلويين في شمال غرب سوريا.
وزعم أنصار حزب الله أن التنظيم لا يمكنه نزع سلاحه في ظل تهديد جهادي محتمل من سوريا، على غرار ما حدث في الفترة 2011 - 2013. وتصاعد التوتر أيضاً على خلفية تظاهرات أقيمت في طرابلس، حيث أيّد المتظاهرون نظام أحمد الشرع. جاءت هذه التطورات في ظل تقارير بشأن احتمال ضمّ طرابلس - المدينة ذات الأغلبية السّنية - يوماً ما إلى سورية، مثلما كانت عليه الحال قبل القرار الذي اتّخذه الانتداب الفرنسي في سنة 1920 بشأن ضمّها إلى لبنان.
وما زاد الطين بلة، هو اكتشاف برّاك أن ردود الحكومة اللبنانية على الطلبات الأميركية تعكس مواقف حزب الله العلنية. في الواقع، لم يكن الحزب ينوي نزع سلاحه يوماً؛ صحيح أن الجيش اللبناني كشف بعض مخازن الأسلحة في الجنوب، لكن المواقع الاستراتيجية الأكثر أهميةً للحزب بقيت سليمة. أمّا إسرائيل التي تدرك تماماً هذا التواطؤ، فاستمرت في شن هجمات متقطعة ضد مقاتلي حزب الله ومواقعهم في الجنوب اللبناني وشماله.
بعد فوز حزب الله الكاسح في الانتخابات البلدية، استمر في تحدّي كلٍّ من الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة. لقد رفض التنظيم القرار رقم 170 الصادر عن مصرف لبنان، والذي استهدف البنية المصرفية الموازية لحزب الله، ولا سيما ذراعه المالية «القرض الحسن». هذا الكيان يعمل خارج النظام المصرفي الرسمي في لبنان. وكردة فعل وتحدٍّ، أعلن حزب الله افتتاح أربعة فروع جديدة، ليرتفع عدد فروعه إلى أربعين. وفي الآونة الأخيرة، أعلن الحزب أنه أتمّ إعادة تنظيم وتجديد مخزونه من الأسلحة، وهو مستعد لمواجهة جديدة مع إسرائيل في الوقت المناسب.
وكأن هذا لا يكفي، ففي حزيران/ يونيو، تم إعلان اتفاق خلال الزيارة الإعلامية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ويقضي بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية في 12 مخيماً للاجئين في لبنان، وكان من المفترض أن يبدأ التنفيذ في 3 مخيمات في منطقة بيروت بتاريخ 15 حزيران/يونيو. ومع ذلك، مرّ الموعد من دون تنفيذ، وبقيَ الاتفاق حبراً على ورق.
في ظل تقدير أميركي بشأن عدم وجود تقدُّم حقيقي، فإن السؤال الأهم الآن: ما هي الخطوة التالية؟
إن وسائل الإعلام اللبنانية، بمختلف توجهاتها، ترسم سيناريو كارثياً: قد تستأنف إسرائيل عملياتها العسكرية ضد حزب الله في حال تأكدت أن الحزب لن يرضخ للضغوط، وأن الحكومة اللبنانية غير قادرة على تنفيذ تعهداتها، بل تواصل خداع المبعوث الأميركي. ثمة تكهنات تفيد بأن إسرائيل قد تبادر إلى شن ضربة استباقية ساحقة تجبر حزب الله على الاستسلام، أو الدخول في مفاوضات.
في الوقت الراهن، يبدو كأن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجيا واضحة. برّاك اقترح على الحكومة اللبنانية البدء بحوار مع ما يسمى «الجناح السياسي» لحزب الله، كذلك اقترح أن يطلب من الحزب نزع أسلحته البعيدة المدى، التي تشكل تهديداً لأمن إسرائيل. حتى الآن، لم يتم الرد على هذه المقترحات.
وفي هذه الأثناء، تواصل الولايات المتحدة (إلى جانب قطر) تمويل رواتب الجيش اللبناني وتزويده بالأسلحة والتدريبات. الأمل هو أن يتمكن الجيش من تجاوز الخلافات الطائفية يوماً ما، وتمكين الحكومة من بسط سيادتها الكاملة على البلد. ومع ذلك، يتضاءل احتمال أن تستثمر الولايات المتحدة رأسمالاً دبلوماسياً كبيراً لدعم لبنان في المحافل الدولية، ما دام حزب الله يُحكم قبضته على الدولة، ولم يتم اعتماد إصلاحات هيكلية.
كما أن التطورات المتسارعة في سورية وإمكان تسلُّل الجهاديين عبر الحدود يلفتان الانتباه أيضاً. إن تطوراً كهذا قد يصرف الاهتمام عن جهود نزع سلاح حزب الله موقتاً، إذ سينتقل التركيز إلى مواجهة تهديد وجودي، قد يخلّ بالتوازن الطائفي الهش في لبنان، ويدفعه نحو حرب أهلية.
المصدر: مركز القدس للشؤون العامة والسياسة
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية