بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

11 تشرين الأول 2025 12:05ص من إعلام العدو: ظلال الحرب الثقيلة ستنعكس طويلاً على إسرائيل وجيشها

حجم الخط
عاموس هرئيل

عندما هبط ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في شرم الشيخ صباح أول أمس، كان واضحاً تماماً أن الصفقة أُبرِمت. جاء ويتكوف إلى مصر من أجل هدف واحد فقط: إنجاز الاتفاق، بغض النظر عن تحفظات الأطراف. هذا ما أراده رب عمله الذي يركز على هدف آخر، وهو جائزة نوبل للسلام، التي من المقرر إعلان الفائز بها ظهر اليوم في أوسلو.
مارست الولايات المتحدة ضغوطاً قوية على جميع الأطراف - إسرائيل و»حماس»، وكذلك الوسطاء: قطر، ومصر، واللاعب الجديد على الساحة، تركيا... يبدو كأن الحرب توشك أخيراً على الانتهاء، بعد عامين ويومين. والمطر الذي هطل صباح أمس أضفى مزيداً من الرمزية: هناك شيء ما على وشك أن يتغير، وربما يبدأ الألم الجماعي بالتلاشي مع الوقت.
هذا هو عالم ترامب الذي يتباهى بنجاحه في إنهاء سبع حروب، حتى لو أخطأ أحياناً في أسماء الدول المعنية. في الماضي، كانت مطالبه اللامتناهية بالحصول على التقدير والإشادة من قادة العالم تقابَل بالدهشة، أمّا الآن، فيبدو أنه علينا أن نكون ممتنين. فشيء من هذا كله ما كان ليحدث من دونه. من الصعب التصديق أن كامالا هاريس كانت ستنجح في فرض اتفاق مماثل على الأطراف، وجو بايدن حاول تحقيق ذلك مدة عام وثلاثة أشهر، من دون جدوى.
... يبدو كأن اللحظة الحاسمة التي أدّت إلى توقيع الاتفاق فجر أمس، بدأت بالضربة الإسرائيلية الفاشلة في الدوحة في التاسع من أيلول/سبتمبر، ومحاولة اغتيال أعضاء فريق التفاوض التابع لـ»حماس». وعلى الرغم من أن نتنياهو قدّم لترامب إنذاراً غامضاً بشأن نيته تنفيذ الهجوم، فإن ذلك لم يهدئ غضب الرئيس لاحقاً. فالمصالح الاقتصادية للرئيس وكبار مسؤولي إدارته متشابكة مع مصالح القطريين، وقد استغل الأمير القطري هذا الغضب ليطالب ترامب بفرض إنهاء الحرب على نتنياهو. يظهر أن الأميركيين توصلوا إلى قناعة بأنهم لم يعودوا قادرين على السماح لإسرائيل بإبقاء نار الصراع مع الفلسطينيين مشتعلة، نظراً إلى التداعيات الإقليمية الخطِرة الناجمة عن ذلك.
الآن، سيحاول رئيس الوزراء تقديم نهاية الحرب على أنها إنجاز: «حماس» ستعيد جميع الأسرى من دون أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من القطاع بالكامل؛ وسيصل ترامب لإلقاء خطاب في الكنيست، ولا شك في أنه سيتفاخر بعلاقته الوثيقة بنتنياهو. لكن لا يمكن تجاهُل الفجوة الهائلة بين ما وعد به ناخبيه وما حدث فعلياً. لا يوجد هنا انتصار كامل على «حماس»، التي ما زالت بعيدة جداً عن «الإبادة» التي وعد بها الناطقون باسم الحكومة طوال الحرب. لقد تكبّد التنظيم هزيمة عسكرية قبل أشهر، لكن التسوية لا تضمن نزع سلاحه بالكامل، ولا قتل قادته، أو حتى نفيهم. ثمة تفاهُم على أنه لن يسيطر مجدداً على القطاع بشكل كامل، لكن الصيغة النهائية لم تتضح بعد.
وعلاوةً على هذا كله، من الواضح تماماً أن الأمر لو كان متروكاً لنتنياهو وحده، لما توصلنا إلى هذا الاتفاق الآن. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، عشية تولّي ترامب منصبه، ضغط على إسرائيل لإبرام صفقة الأسرى السابقة، لكن نتنياهو نسفها من جانب واحد في آذار/مارس، حين قرر استئناف الغارات الجوية على «حماس»، الأمر الذي أدى إلى مقتل نحو 400 شخص في غارة واحدة، بينهم قادة سياسيون في الحركة وعدد كبير من المدنيين. فقط التدخل الشخصي لترامب، بعد تأخير دام سبعة أشهر أُخرى، من المرجح أنه سيؤدي إلى إنهاء هذه المأساة الطويلة والمؤلمة. وفي الخلاصة، نتنياهو خضع لترامب. هذا ما حدث فعلاً.

مساهمة زامير

إن المصطلح المفتاحي، من الآن فصاعداً، هو «الغموض البناء»؛ يقول نتنياهو لمؤيديه إنه مع انسحاب إسرائيل إلى «الخط الأصفر» في قطاع غزة، ووفق الخرائط التي رسمها الأميركيون، سيواصل الجيش الإسرائيلي السيطرة على 53% من المنطقة (بعد أن كان الحديث في الأصل عن نحو 70%)، وما سيحدث لاحقاً يعتمد على سلوك « حماس»، وفي حال رفضت الابتعاد عن الحكم وواصلت الاحتفاظ بسلاحها، فإن إسرائيل لن تنسحب.
لكن من المشكوك فيه أن يكون الأمر بهذه البساطة؛ إذ سيمارس الوسطاء ضغوطاً معاكسة، ومن المرجح أن يطالب الأميركيون، لاحقاً، بانسحاب إسرائيلي إضافي نحو الإطار الأمني (البارامتر) - وهي منطقة لم يُتفق بعد على عرضها، تقع غربي الحدود داخل الأراضي الفلسطينية، تريد إسرائيل السيطرة عليها من الداخل؛ ففي الماضي، قبل 7 أكتوبر، فُرض محيط أمني بعرض بضع مئات من الأمتار، لكن من دون وجودٍ دائم للقوات الإسرائيلية فيه، بل سيطرة بالنار عن بُعد فقط.
لاحقاً، قد تظهر عقبات أُخرى يجب التعامل معها؛ في لبنان، تسير الترتيبات هناك لمصلحة إسرائيل، وبعد نحو عام على انتهاء القتال، يهاجم الجيش الإسرائيلي جنوب الليطاني، يومياً تقريباً، وأحياناً شماله، كلما رصد محاولة من حزب الله لإعادة بناء قوته العسكرية، بينما يمتنع حزب الله من الرد في الوقت الراهن، فهل سينجح مثل هذا «النموذج» أيضاً في غزة، حين تكون الأنظار كلها موجهة إليها؟ وماذا سيحدث إذا دخلت قوات من الإمارات، أو تركيا، أو إندونيسيا، لفرض النظام الجديد؟ كيف سيردّون على هجوم بطائرة إسرائيلية مسيّرة بالقرب منهم؟
يبدو كأن الفلسطينيين حققوا تدويلاً غير مسبوق للصراع، بعكس الأهداف التي أعلنها نتنياهو.
بقيت قضايا كثيرة مفتوحة، عن قصد على الأرجح؛ يحرص الأميركيون على إتمام المرحلة الأولى: إطلاق سراح 48 رهينة وجثامين إسرائيليين، في مقابل نحو 2000 فلسطيني، بينهم 250 أسيراً محكومين بالسجن المؤبد بتهمة القتل، أمّا البقية، فيأملون بالتعامل معها لاحقاً.
ثمة صعوبة إضافية تتعلق بالجثامين، فمن المرجح أن تعلن «حماس» أنها لم تتمكن من العثور على بعض الجثث، نظراً إلى الدمار الهائل الذي شهدته غزة خلال العامين الماضيين.
يبدو كأن الجمهور الإسرائيلي لا يدرك تماماً أن بعض الألغاز ستظل من دون حل.
لكن المشكلة الكبرى، بعد إعادة الرهائن، ستبقى مسألة أمن سكان الغلاف.
فالجميع متفق على أن «حماس» غير قادرة حالياً على تنفيذ هجوم آخر، على غرار هجوم 7 أكتوبر.
لكن هل تكفي زيادة الوجود العسكري للجيش الإسرائيلي، وتعهُّد القادة بعدم تكرار الأخطاء التي سمحت «بالمجزرة»، لكي تعود الحياة الآمنة إلى مستوطنات الغلاف، بعد استعادة الرهائن؟
على الرغم من هذه الشكوك، فإن المنظومة الأمنية بأكملها تؤيد الاتفاق، وتدعم التنازلات المطلوبة لإعادة الرهائن. قال لي أحد كبار المسؤولين هذا الأسبوع: «لو استطعت، لملأت بنفسي استمارات ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام في أوسلو».
هناك شخصيات إسرائيلية أُخرى لها فضل على هذا الاتفاق الذي من المرجح أنه سيقود إلى نهاية الحرب. هذا صحيح بالنسبة إلى جميع قادة الأجهزة الأمنية، وبصورة خاصة اللواء احتياط نيتسان ألون، منسق شؤون الأسرى والمفقودين، فهو رجل فعّال ونزيه وذكي ومتواضع، شارك منذ اليوم الأول للحرب، وتحمّل الطعنات من المكاتب العليا، لكنه واصل جهوده بدافع من التزام شخصي عميق، وعائلات الرهائن تدرك مساهمته، حتى لو بقيَ بعيداً عن الأضواء.
أمّا رئيس الأركان إيال زامير، فيستحق هو الآخر تقديراً كبيراً؛ في أيلول/ سبتمبر الماضي، بعد الهجوم على قطر مباشرةً، أمر نتنياهو الجيش بالتحرك البري إلى داخل غزة، لكن زامير حرص على أن تكون حركة القوات بطيئة عمداً. لقد كان الضغط العسكري كافياً لإقناع قيادة «حماس» بأن إسرائيل جادة، لكن رافق ذلك احتكاك مباشر محدود جداً بمواقعها في المدينة. خلال تلك الفترة، قُتل سبعة جنود فقط، أربعة جرّاء انفجار عبوة في رفح وثلاثة في معارك داخل غزة. إن أي تصرّف مختلف من رئيس الأركان كان سيكلف عشرات الأرواح، وربما حياة رهائن أيضاً؛ زامير حماهم، خلافاً لرأي الحكومة، وهو يدرك أن الجيش بحاجة إلى إعادة بناء طويلة الأمد، ولهذا، يدفع في اتجاه التوصل إلى اتفاق، فالجيش لم يقاتل بهذه الكثافة فترة طويلة قبل ذلك، ويحتاج إلى إعادة تنظيم شاملة في الخدمة النظامية والاحتياطية حتى اكتمال عملية إعادة الرهائن، ويجب تجنُّب الأخطاء التكتيكية، لأن عملية خطف ناجحة واحدة من «حماس» قد تنسف العملية كلها.

انهيار الوهم

أعلن وزراء اليمين الديني المسياني معارضتهم للصفقة، لكن بدرجات متفاوتة من الحدة والاقتناع، حتى الآن، لا يبدو كأن سموتريتش وبن غفير عازمان على الانسحاب من الحكومة.
لكن استقرار الحكومة في خطر في المدى البعيد، فاليمين مقبل على انقسام كبير، قبل أسابيع فقط، كان البعض هناك يحلم بشكل علني بإقامة إدارة عسكرية، أو بترحيل قسري للفلسطينيين، أو بإعادة بناء المستوطنات في غزة، لكن يبدو كأن ترامب يسعى في الاتجاه المعاكس، حتى إن العودة إلى «خريطة الطريق» نحو حل الدولتين أصبحت مطروحة نظرياً.
هذا لا يعني أن نتنياهو تخلى عن رغبته في البقاء في الحكم، بل بالعكس، فإنهاء الحرب سيخفف عنه بعض الضغط اليومي الناتج من الخسائر والعبء على قوات الاحتياط والتداعيات الاقتصادية الصعبة. وحين يصبح متفرغاً لمعركة البقاء السياسي، ومعه رئيس جديد لجهاز الشاباك على شاكلته، فقد يزداد التهديد للديمقراطية الإسرائيلية مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، وسيجدد انتهاء الحرب المطالبة بتحقيقٍ شامل في الكارثة. لقد نجح نتنياهو بشكل مدهش، ليس فقط في البقاء في الحكم، بل أيضاً في تجنُّب أي اعتراف بالمسؤولية، ومنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية. بعد حرب يوم الغفران، كانت الأمور مختلفة تماماً: شُكلت لجنة أغرانات، واضطرت غولدا مئير إلى الاستقالة، وخسر حزبها السلطة بعد ثلاثة أعوام ونصف العام.
الآن، قد تؤدي موجة جديدة من السخط الشعبي، من اليمين واليسار، إلى إسقاط الحكومة، وربما إلى انتخابات مبكرة وتحقيقٍ مستقل.
ونتنياهو لديه كل الأسباب لمنع تحقيق ذلك؛ فهو مَن قاد السياسة في غزة، وهي نفسها تقريباً سياسة حكومة «التغيير» القصيرة: احتواء على الحدود، وتجنُّب مواجهة عسكرية واسعة، وتغذية الانقسام بين «حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة.
لكن أخطاءه الشخصية كثيرة، ورعايته لـ«حماس» واعتبارها رصيداً، وتحويل الأموال إليها، والفساد في مكتبه، وكذلك استمر في تجاهُل تحذيرات الاستخبارات بشأن تراجُع جاهزية الجيش، وبشأن خطر الضعف الداخلي على الأمن القومي، وفي 7 تشرين الأول/أكتوبر، وقع الطوفان، و»مجزرة» غير مسبوقة في غلاف غزة، وإخفاق هائل للمؤسسة الأمنية، واستقال المسؤولون عنها، باستثنائه.
عندما أصدر يحيى السنوار ومحمد الضيف أوامرهما إلى المقاتلين بالتسلل إلى إسرائيل ليل 6-7 أكتوبر، قبل عامين، من المرجّح أنهما كانا يعرفان ما ينتظرهما إذا ما نجحت خطتهما.
لقد استعدّت «حماس» لهذه العملية، «طوفان الأقصى»، على مدى خمسة أعوام، وقررت تنفيذها، بعد أن رأت الانقسام الداخلي في إسرائيل وضُعف جاهزية جيشها. 
كان الهدف بعيد المدى: احتلال منطقة «فرقة غزة»، تمهيداً لهزيمة إسرائيل، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية، وعرقلة عملية التطبيع التي كان يقودها بايدن بين إسرائيل والسعودية، والانتقام من الإجراءات الإسرائيلية في الحرم الشريف.
لكن النتيجة، حسبما لاحظ الصحافي ألوف بن في نهاية سنة 2023، كانت نكبة ثانية - أكبر كارثة في تاريخ الشعب الفلسطيني، شملت تدميراً شبه كامل للمناطق العمرانية في القطاع ومقتل أكثر من 65 ألف شخص كانوا من المدنيين، في معظمهم، وخلال ذلك، تورطت إسرائيل في جرائم حرب، وتراجعت مكانتها الدولية إلى مستوى غير مسبوق. الدرس واضح: في هذه المنطقة المعقدة والعدائية، لا يمكن لإسرائيل البقاء تحت قيادة رجل واحد مهووس، يحيط نفسه بمتطرفين عديمي الكفاءة.
إن النجاحات الاستخباراتية والعسكرية في لبنان وسورية، ولاحقاً في إيران، لا تمحو ذكرى الإخفاق في الغلاف، ولا التورط الدولي العميق الناجم عن أفعال إسرائيل في غزة، تحت تأثير «المجزرة»، مرّت إسرائيل في غزة بعملية توحُّش أدت إلى انهيار القيم، وبالكاد بدأنا نفهم آثارها الطويلة الأمد في طبيعة الجيش الإسرائيلي.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية