ميخائيل ميلشتاين
إن «الهجمة» الإنسانية التي تقوم بها إسرائيل في الأيام الأخيرة تعكس فشلاً عميقاً في إدارة المعركة في غزة، وبجهد لم نشهد مثيلاً له منذ بدء الحرب، يشمل إنزال الجيش الإسرائيلي مساعدات من الجو، والسماح لقوافل المساعدات بالدخول من مصر والأردن، والموافقة على ربط منطقة المواصي بخط مياه، وإعادة فتح عشرات المطابخ والمخابز، وإعلان هدَن إنسانية في أنحاء القطاع. هذا كله ليس ضمن اتفاق مع «حماس» يتضمن تنازلات في ملف الأسرى، بل كمبادرة إسرائيلية ترافقت، كالمعتاد في إسرائيل، مع انتقادات لاذعة من داخل الائتلاف نفسه الذي يتصرف كمعارضة.
إن الميل التلقائي إلى اعتبارالمهزلة الحالية مجرد «مشكلة علاقات عامة» ناجمة عن تدهور صورة إسرائيل في نظر العالم يؤكد أننا لم نشخّص تحديات الساعة بشكل صحيح. المشكلة ليست في الفشل في إقناع العالم بعدم وجود مجاعة في غزة (وما يثير التساؤل: إذا لم يكن هناك مجاعة، فلماذا تبذل إسرائيل جهداً مكثفاً لتوفير الغذاء للفلسطينيين؟)، بل في أن إسرائيل أصبحت دولة غير مفهومة في نظر العالم، في معظمه، ويزداد القلق من أنها لا تمتلك أيّ استراتيجيا منظمة، أو أيّ خطط واضحة للمستقبل، سوى استخدام مزيد من القوة والاستمرار في انتاج أوهام لا يمكن أن تحلّ محلّ السياسة الواقعية.
«ما الذي نفعله فعلياً في غزة؟ «هذا هو السؤال الذي يجب على الحكومة أن تجيب عنه، ليس فقط أمام العالم، بل أيضاً أمام الشعب الإسرائيلي. منذ أن استأنفت إسرائيل القتال في 18 آذار/مارس، كانت الجهود المبذولة كلها تحت الوعود بأن مزيداً من القوة سيجعل «حماس» أكثر مرونةً بشأن إطلاق سراح الأسرى، والاستسلام، والتخلي عن السلاح، والاستعداد لمغادرة غزة. أمّا «حماس»، فتُبدي بوضوح أنها على الرغم من الضربات القاسية التي تلقّتها، فإنها لن تتنازل عن مطالبها، وعلى رأسها انسحاب إسرائيل وإنهاء الحملة العسكرية. وإلّا، فهي مستعدة «للذهاب حتى النهاية»، أي إلى تدمير غزة، لكن من دون السماح لإسرائيل بتحرير أسراها. يرفض السياسيون الاعتراف بهذه الفرضية الأساسية، وبدلاً من ذلك، يواصلون التجارب الفاشلة، وهو ما يثير التساؤلات عن مدى فهمهم للعدو منذ 7 أكتوبر.
علاوةً على ذلك، إن المبادرات التي أطلقتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية من أجل خلق واقع جديد في غزة حُكم عليها بالفشل منذ البداية، لأنها استندت إلى تخطيط هاوٍ، من دون رقابة داخلية عميقة، واستمرار الخلط بين التمنيات والتقييم الواقعي، ومن دون التعلم من التجارب السابقة، بما فيها تجارب الحرب الحالية. لقد أصبحت آلية المساعدات الإنسانية الجديدة (GHF) رمزاً للفشل: وُلد هذا المشروع من «تصميم هندسي» عقلاني (غربي)، استند إلى فريق أميركي لا يعرف غزة، وتم تنفيذه بإهمال (مثل عدم التحقق ممّن يتلقى المساعدات)، واعتمد على عدد محدود من محطات التوزيع التي تحولت بدورها إلى بؤر فوضى ورمزٍ لفشل إسرائيل في تغيير الواقع والوعي في غزة.
إن دعم الميليشيات والعشائر كبديل من «حماس» هو جانب مظلم آخر في السياسة الإسرائيلية. لقد جرى تعزيز جهات مشبوهة متورطة في النهب (وسابقاً، أيضاً في الإرهاب)، كأنه لم يقرأ أحد من متّخذي القرار كتب التاريخ – الإسرائيلي والعالمي – لفهم مصير مثل هذه التجارب. ومن غير المستغرب أن هذه المجموعات لا تُعتبر «بديلاً مغرياً» في نظر الغزيين، الذين يعتبرون أفرادها عملاء، ويصفونها بأنها «جيش لحد» الغزّي، مشككين في أنها أدوات في يد إسرائيل لتنفيذ مخططاتها، وعلى رأسها «المدينة الإنسانية» في جنوب القطاع (مركز نشاط ميليشيات «أبو شباب»).
منذ بداية الحرب، وخصوصاً في الأشهر الأخيرة، يواجه الشعب الإسرائيلي حملة علاقات عامة مكثفة تهدف إلى إظهار «النجاحات» وبثّ التفاؤل، في حين أن الفجوة بين الوعود والواقع عميقة. وفي محاولة يائسة لملء هذا الفراغ، تُطرح أفكار «إبداعية» أصبحت مألوفة في الخطاب الإسرائيلي، لدرجة أن الناس لم يعودوا يدركون أنها تبدو للعالم كأنها أوهام تثير القلق، وتعكس فقدان الصلة بالواقع: من مشروع «المدينة الإنسانية» إلى رؤية ترامب. وتزداد علامات الاستفهام، على خلفية نشر مقاطع فيديو غريبة من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، وإطلاق تصريحات من مسؤولين حكوميين عن تحقيق «رؤية مسيانية» متنكرة في شكل «خطة استراتيجية»، تشمل «إخلاءً طوعياً» للفلسطينيين وإعادة الاستيطان في غزة، مع تأكيدات أننا «لا نخاف من الاحتلال»، لكن من دون أيّ تفسير لِما يبدو عليه هذا الواقع.
وهنا بالضبط، يجب على الجمهور، بما في ذلك الإعلام، أن يُظهر أنه تعلّم من 7 أكتوبر، وأن يتبنّى نظرة نقدية ويطرح الأسئلة، بدلاً من ترديد مقولات تُثبط التفكير، على شاكلة أن «الانتقادات تُضعف الجبهة الداخلية». تبدو الحاجة إلى النظرة النقدية واضحة في الأشهر الأخيرة، مع تصاعُد الأوهام والمغامرات، وبصورة خاصة آلية المساعدات. وهذا يتطلب من الجمهور عدم الاكتفاء بالاستماع إلى تفسيرات القيادة، والمطلوب أيضاً من الصحافيين عدم الاكتفاء بالنقل والاقتباس فقط، بل أن يسألوا عن مدى واقعية هذه التصريحات.
إن الذاكرة الجماعية القصيرة تمنع الإسرائيليين من الإدراك أن المرحلة الحالية من الحرب ما هي سوى نسخة أكثر قسوةً وكثافةً من الحملة السابقة في شمال القطاع، قبل وقف إطلاق النار، والتي شهدت قتالاً عنيفاً وسقوط عدد كبير من القتلى، لكنها لم تغيّر الواقع فعلياً. وحتى الآن، تسير حكومة إسرائيل في طريق طويلة، لتعود إلى المفترق الاستراتيجي نفسه الذي تتهرب منه، المرة تلو الأُخرى: إمّا احتلال كامل للقطاع والبقاء فيه، مع التخلي عن الأسرى، أو التوصل إلى تسوية تتضمن إنهاء القتال وانسحاباً إسرائيلياً، وسيتطلب ذلك تخطيطاً مستقبلياً أفضل لمعركة جديدة ضد «حماس». أمّا في الوسط، فلا يوجد سوى أوهام ضارة تؤدي إلى إطالة أمد الحرب، وزيادة عدد الضحايا، وتعميق معاناة الأسرى وعائلاتهم، والإضرار بمكانة إسرائيل عالمياً.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية