من إعلام العدو.. لا مصلحة لإسرائيل بدخول حرب إيران ولكن حسابات نتنياهو مختلفة
عاموس هرئيل
مع اقتراب نهاية الأسبوع، كثرت المؤشرات التي تفيد بإمكان حدوث تصعيد جديد في منطقة الخليج؛ انشغلت وسائل الإعلام الأميركية بمناقشة احتمالات توسيع الهجمات على إيران، ورفعَ الجيش الإسرائيلي حالة التأهب، استعداداً لسيناريو يمكن أن يجرّ إسرائيل إلى المواجهة مجدداً.
غير أن ما يكاد لا يُذكر علناً، لكنه يثير قلقاً بالغاً لدى بعض الضباط الذين ربما تُناط بهم مهمة تنفيذ أي هجوم، في حال أُقحم الجيش الإسرائيلي مرة أُخرى في القتال، هو السؤال عن المصلحة الإسرائيلية الحقيقية الكامنة وراء استئناف العمليات العسكرية، بعيداً عن حسابات ومصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ويبدو كأن الهدف من أي تصعيد جديد في الضربات، ربما يأمر به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يتمثل في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمةً لواشنطن. ويأمل ترامب بأن تؤدي حملة عسكرية مكثفة تستمر نحو أسبوع إلى استئناف المحادثات. ويتحدث الجنرالات الأميركيون مع نظرائهم الإسرائيليين عن استراتيجيا يصفونها بأنها «إخماد الحريق عبر الانفجار»، وهو الاسم الذي يُطلق على تقنيةٍ تُستخدم أحياناً لإطفاء حرائق آبار النفط بتفجير موجَّه يقطع الأوكسجين عن النيران. لكن، وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي، يبقى هناك شك في أن تستجيب إيران بسهولة لجولة جديدة من الضغوط العسكرية المركزة.
في منتصف حزيران/يونيو، تخلّى الرئيس الأميركي عن معظم مطالبه، ووقّع مذكرة تفاهُم مع النظام في طهران، وبدأ بسحب بعض الطائرات والوحدات العسكرية من منطقة الخليج. وفي الوقت نفسه، عاد، كعادته، إلى إعلان «انتصار تاريخي». لكن الواقع أن ترامب سئم من المواجهة العسكرية؛ لقد أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود، وحظيت بدعم شعبي محدود داخل الولايات المتحدة، كذلك عرّضت الجمهوريين لخطر الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتمسّك الرئيس بالفرص الضئيلة التي توفرها مذكرة التفاهم، وسعى لإنهاء المواجهة.
لكن الإيرانيين كانوا الطرف الذي تراجع عن التفاهمات، وليس واضحاً تماماً الدور الذي قام به المرشد الأعلى، غير المرئي، مجتبى الخامنئي في عملية اتخاذ القرار؛ لكن من المعروف أن دائرة القيادة المتشددة المحيطة به اختارت رفع سقف المخاطرة.
وكان النظام، القلِق من الانهيار الاقتصادي الذي تفاقم بسبب الحرب الأخيرة التي اندلعت في شباط/ فبراير من هذا العام، استأنف في مطلع تموز/يوليو إطلاق النار على السفن العابرة في مضيق هرمز، الممر البحري الجنوبي القريب من سواحل سلطنة عُمان. وتحاول طهران فرض ترتيبات جديدة بالقوة تتيح لها المطالبة برسوم عبور وتوفير موارد مالية لخزينتها؛ فالقيادة الإيرانية لا تثق بالأميركيين، وتخشى ألّا تُحترم الوعود الواردة في الاتفاق.
قدّرت أجهزة الاستخبارات في إسرائيل والولايات المتحدة أن الأضرار التي لحقت بإيران نتيجة الحرب تتراوح ما بين 200 و250 مليار دولار، أي أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلد. فهذه الأرقام هائلة، وتنعكس آثارها أيضاً في الصعوبات الكبيرة – التي كانت واضحة حتى قبل الجولة الأولى من المواجهة في حزيران/ يونيو من العام الماضي – في تأمين المياه والكهرباء لمناطق واسعة داخل إيران. ومن الأسئلة المتكررة في النقاشات الجارية هي عمّا إذا كان في الإمكان تحديد نقطة انهيار مستقبلية مسبقاً، ربما تؤدي إلى عودة الجماهير إلى الشوارع، على غرار ما حدث في الاحتجاجات التي قمعها النظام بعنف في كانون الثاني/ يناير الماضي. وتشير التقارير إلى حدوث شرخ داخلي في قمة النظام الإيراني بين التيار المتشدد المنبثق من صفوف الحرس الثوري، وبين مجموعة أكثر اعتدالاً نسبياً، يبرز فيها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. وفي الآونة الأخيرة، اشتكى الاثنان علناً من أضرار الحرب، ومن تدمير مصانع الصلب وحقول الغاز، وحالة عدم الاستقرار الداخلي الناتجة منها، ويبدو كأن هناك انقساماً في قيادة النظام، وهو ما يؤدي أحياناً إلى ارتباك في عملية صنع القرار داخل إيران.
وتواجه إسرائيل صعوبة في فهم شخصية مجتبى الخامنئي، نجل المرشد الأعلى. فهو لا يزال متوارياً عن الأنظار، ويتأخر في الرد على طلبات المقربين منه للحصول على توضيحات بشأن مواقفه. وكان والده يتصرف بالطريقة نفسها أحياناً، بهدف إبعاد نفسه عن القرارات اليومية المباشرة. كما أن التوتر بين التيارين بلغ مستويات عالية؛ إذ تعرضت مواكب شخصيات بارزة من الجناح الأقل تشدداً للرشق بالحجارة خلال جنازة الخامنئي الأب.
ويؤدي الغموض في قمة السلطة أحياناً إلى ارتباك في اتخاذ القرارات في طهران. ويبدو كأن إطلاق النار على السعودية الأسبوع الماضي، لأول مرة بعد أربعة أشهر، جرى خلافاً للتوجيه الرسمي للنظام. وفي بداية هذا الأسبوع سُجلت أيضاً «عملية انزلاق»، عندما أطلق الإيرانيون صواريخ في اتجاه مدينة العقبة الأردنية القريبة من إيلات، وسقطت شظايا من صواريخ الاعتراض الأردنية داخل الجانب الإسرائيلي. وتضاعف عدد سكان إيلات أكثر من مرة خلال الصيف (إذ يقيم بها نحو 130 ألف شخص)، وهو ما أثار توتراً كبيراً داخل الحكومة والجيش الإسرائيلي. ومع ذلك، كان الانطباع في هيئة الأركان العامة أمس أن الإيرانيين لا يزالون، في هذه المرحلة، يتجنبون تجاوُز الخط الأحمر.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






