بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 نيسان 2026 12:15ص إيران: الدولة، النظام، المشروع... أين تكمن المشكلة؟

حجم الخط
منذ حصل التغيير السياسي في إيران الذي مكّن المؤسسة الدينية من امتلاك ناصية القرار السياسي في السلطة الجديدة التي قامت على أنقاض النظام الشاهنشاهي، تحوّلت إيران الى مشكلة عربية. وهي التي أسّست لهذه المشكلة من خلال رفعها لشعار ما سمّته «تصدير الثورة»، وكان من نتائج ذلك، التسبب بحرب دامت ثماني سنوات مع العراق، وتدخّل في الشؤون الداخلية للعديد من الأقطار العربية والعمل على تأسيس تشكيلات ميليشياوية في بعض الدول العربية ترتبط بمركز التحكم والتوجيه الإيرانيين.
هذا الدور الإيراني، اختلفت التقييمات العربية بشأنه، ففيما اعتبر بعضٌ قليل من النظام الرسمي العربي ومعه بعض القوى السياسية العربية ان النظام الإيراني الحالي، هو نظام «صديق» للعرب وذهبوا أكثر من ذلك بأن اسقطوا عليه لقب قائد ما يسمّى «بمحور المقاومة والممانعة»، وهو المحور الذي انضوت فيه القوى المتماهية معه وتلك المنفذة لأجندة أهدافه، وحجتهم بذلك الموقف الظاهري للنظام الإيراني من القضية الفلسطينية، فإن بعضاً آخر وهو الأوسع في مروحة أطرافه كان تقييمه مختلفاً لطبيعة هذا النظام واستهدافاته الأساسية، إذ رأى في دوره خارج حدوده وخاصة في المجال العربي، مشروعاً اللهيمنة والسيطرة وتقديم نفسه طرفاً مقرراً في رسم الخرائط السياسية. وهذا التقييم، وجد سنده التوثيقي في مواقف النظام الإيراني من خلال تدخّله بالشؤون الداخلية للعديد من الأقطار العربية مباشرة، أو بالاتكاء على أدوار قوى تعمل في الساحات الوطنية وترتبط تمويلاً وتسليحاً وتوجيهاً به، وتصريحات مسؤوليه في العديد من المرات والمناسبات بعد تغوّله في الواقع العربي خاصة بعد احتلال العراق، بانهم باتوا يسيطرون على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وأكثر من ذلك، بأن بغداد ستعود عاصمة تاريخية للامبراطورية الفارسية، هذا الى سعي النظام إحداث تغيير في التركيب الديموغرافي خاصة في سورية والعراق، والأمثلة كثيرة على التداعيات السلبية التي تركها التغول الإيراني حيث استطاع أن يقيم مواطئ قدم له. وبهذا بات المشروع الإيراني في الاستراتيجية التي رسمها النظام الحاكم لنفسه واحداً من المشاريع التي تنطوي على خطورة فعلية على الأمن القومي العربي، إضافة الى مشاريع أخرى وجدت في جغرافية الوطن العربي مدىً حيوياً لها. وهذا مردّه ان الوطن العربي بأهمية موقعه الاستراتيجي ومقدراته وثرواته الطبيعية، كان وما يزال محط الاستهداف من أكثر مشروع دولي وإقليمي بعضها انطلق مع موقع الصداقة (الاتحاد السوفياتي سابقاً روسيا حالياً - الصين) وبعض آخر من مواقع العداء، وأبرزها خمسة، متدرجة في خطورتها، واحد دولي وأربعة إقليمية. وأما المشروع الدولي، فهو المشروع الاستعماري الحديث الذي تديره اليوم الدولة الأميركية الحديثة التي ورثت النظام الاستعماري الأوروبي القديم بتعدد مواقعه والذي طويت صفحته بسبب ما أفرزته الحرب العالمية الثانية من نتائج. وأما المشاريع الإقليمية، فواحد منها يستوطن الداخل القومي، وهو المشروع الصهيوني الذي أقام كيانه على أرض فلسطين، وأما الثلاثة الآخرون، فتستقرّ على المداخل، المشروع الإيراني من الشرق، والتركي من الشمال، والاثيوبي من بوابة الأمن المائي وما يسمّى بالقرن الافريقي الذي هو قرن عربي بغالبية دوله.
هذه المشاريع تجد في الفضاء العربي مجالاً حيوياً لنفوذها وهيمنتها، وقد وفّر لها غياب المشروع القومي بمرتكزاته ورافعاته فرصة، تم استغلالها من قبلهم للنفاذ الى الداخل العربي وكلٌ لتحقيق أجندة أهدافه الخاصة.
هذه المشاريع التي لا تحكمها وحدة الأهداف والمصالح كان لا بد لها لأن تصل في مرحلة معينة الى التصادم في ما بينها في المجال الواحد الذي تعتبره حيوياً لها، وهو المجال العربي. والأطراف الثلاثة المشتبكة اليوم التي تتقاذف النار عبر الفضاء العربي، لن يرتد الذي يخرج منها رابحاً الى داخله بل سيسعى الى تقوية مواقع نفوده في ما يعتبره مجالاً حيوياً لمشروعه، وفي جميع الحالات فإن العرب سيكونون خاسرين إذا ما خرج الأطراف الثلاثة رابحين وبنسب متفاوتة وفقاً لمخرجات حلول التسويات بينهم. ولذلك فإن من مصلحة العرب أن يخرج الثلاثة منهكين منها، وان كان يبدو بحكم موازين القوى ان الخاسر الأكبر سيكون النظام الإيراني.
أما أي من هذه المشاريع هو الأخطر على الأمة العربية بالنظر الى واقع الدولة والنظام والمشروع؟
أن أميركا لا مشكلة عربية معها كدولة تقيم مؤسساتها وتدير شؤونها مع الداخل والخارج، كما مع نظامها الذي اختاره شعبها وفق النسق الدستوري الذي يحكم ضوابط الانتظام العام للعلاقات مع الخارج وفي إدارة الحياة الداخلية. لكن المشكلة معها تنطلق من مشروعها السياسي الذي يتجاوز حدود مداه الداخلي الى المدى الخارجي والذي ينطوي على كل مواصفات الهيمنة والسيطرة بصيغ الاستعمار الجديد الذي تديره الكارتلات الاقتصادية الكبرى وتعمل على أسقاط الحدود الوطنية للدول وربط العالم بمركز التقرير في الدولة العميقة الأميركية. وطبيعة هذا المشروع تجعل منه بالضرورة مشروعاً تصادميا مع الآخرين ومنهم العرب.
والأمر نفسه مع إيران، إذ لا مشكلة معها كدولة تدير شؤونها الداخلية وهي دولة تاريخية وجار للعرب، وهي ان شابت علاقاتها توترات مع العرب في السابق، إلّا انها لم تصل الى حدود الاندفاع خارج حدودها اللهيمنة والسيطرة كما هو حاصل مع النظام الحاكم حالياً. ولو كان هذا النظام بقي يعمل وفق النسق الدستوري الذي يحكم انتظام الحياة في الداخل والعلاقة مع الخارج ضمن الضوابط الذي حدّد أحكامها القانون الدولي العام والمواثيق الدولية ذات الصلة، لما كانت برزت مشكلة كبيرة معه إلّا بحدود ما تحدثه تصادم المصالح بين الدول. لكن المشكلة برزت بسبب أهداف المشروع الاستراتيجي الذي أطلقه نظام «ولاية الفقيه» وأعطى لنفسه مشروعية تأدية دور لإيران خارج حدودها الوطنية سنداً لمفهوم «تصدير الثورة» وباعتبارها قدمت نفسها دولة مرجعية لكل من يأخذ بأحكام المذهب الذي اعتمدته مذهباً رسمياً للدولة، وبالتالي فإن المشكلة مع إيران كما مع أميركا هي مع مشروعيهما.
أما «إسرائيل»، فإن الأمر مختلف كلياً، إذ المشكلة معها كدولة ونظام ومشروع. «فالدولة الإسرائيلية» هي نتاج مشروع استعماري تلاقى مع الأهداف الصهيونية، ورسا الاختيار على فلسطين التي تم اغتصابها لإقامة الكيان الذي يؤدي وظيفته في خدمة المشروع الاستعماري. وبالتالي، فان المشكلة مع «إسرائيل»، ليست مشكلة سياسية بقدر ما هي وجودية وعليه يتم تأسيس الموقف استناداً الى حقيقة هذا الوجود للدولة.
وأما نظامها، فهو بطبيعته وسلوكياته عنصري بامتياز بحسب تصنيف الهيئات الدولية القانونية والحقوقية (محكمة العدل الدولية) والمنظمات الإنسانية ذات الصلة بقضايا بحقوق الإنسان (هيومن رايتس، منظمة العفو الدولية)، وبالتالي هو نظام معادٍ للإنسانية.
أما مشروعها، فهو توسعي بدليل ان الدستور الإسرائيلي لم ينص على حدود الدولة وهي تتراوج جغرافياً بين حدود «الدولة الوظيفة» التي دعا لإنشائها المؤتمر الاستعماري (١٩٠٥ - ١٩٠٧) مؤتمر كامبل بانرمان، «والدولة التوراتية» التي تدعو لقيامها الحركة الصهيونية بدءاً بمرحلة «التبشير» بها بالنظر لما انطوت عليه «بروتكولات حكماء صهيون» وبعدها مؤتمر بازل في سويسرا ١٨٩٧ وفي كلا مفهومي الدولة، فإن الجغرافيا العربية هي مجال المشروع الصهيوني الذي يتدرج توسعه على قاعدة التطهير العرقي للشعب والقضم والهضم لأرض فلسطين وعمقها العربي. وعليه، فان الصراع الذي يحكم العلاقة مع «إسرائيل» يختلف عن أي صراع آخر بكل أبعاده ومضامينه، وعلى هذا الأساس فهو مدرج تحت عنوان الصراع الوجودي، كونه يتجاوز الصراع على الحدود الى الصراع على الوجود، وهذا لا يمكن إجراء تسوية معه أو الاعتراف به كدولة ونظام ومشروع.
ان طبيعة هذه المشاريع الثلاثة، هي التي تملي تحديد المواقف منها، فإن كانت متصالحة، فالتصالح حاصل على حجم الحصص والنفوذ، وان كانت متصادمة، فالتصادم لا يحصل إلّا إذا اختلت الأنصبة التي كانت تحكم حالة التصالح. وهذا الذي تشهده المنطقة هذه الأيام لا يخرج عن سياق هذه القاعدة. وأما الاشكالية التي تبرز حول الموقف من النظام الإيراني بين مؤيدٍ ومعارضٍ، فقد ولدت التباساً، أدّى الى جعل هذا الموقف سبباً لإشكالية في مواقف داخلية عربية، ومن تبنّى موقف التأييد للنظام الإيراني بكل حيثياته أعطى لنفسه تبريراً بأنه تبنٍّ لمشروع معادٍ للامبريالية والحقيقة ان باعث ذلك، كان إما لمصالح ومنافع مادية وسياسية خاصة، وإما لعلاقة تتجاوز البُعد المصلحي الى البُعد المعتقدي المذهبي. وهؤلاء الذين تم الاستثمار بهم من قبل النظام خدمة لأجندة أهدافه الخاصة غاب عنهم، ان النظام الإيراني الذي انتفخ دوره عبر مشروع تغوله في الواقع العربي، لم يعِ ثلاث حقائق: الأولى، أنه ما استطاع أن يحقق الذي استطاعه، إلّا بفضل التسهيلات الأميركية له والتي مكنتّه من العراق أولاً، ومن ثم الى العمق العربي، والثاني، انه لا يستطيع أن يحافظ على ما اعتبره مكتسبات استراتيجية دغدغت عواطفه التاريخية المضمرة إلّا بوجود حاضنة دولية له، والثالثة، انه تم الاستثمار بدوره لحساب المشروع الصهيو - استعماري لأحداث تفتيت وتطييف في الحياة السياسية والمجتمعية العربية ولإضعاف الدولة الوطنية العربية والدفع باتجاه تحويلها دولة فاشلة. وعندما سعى لتقديم نفسه شريكاً مضارباً على اقتسام الحصص والنفوذ، تلقّى الضربة التي أخرجته من المنطقة التي دخلها بحكم افتقار العرب لمشروعهم الذي يحقق الامتلاء السياسي، وبحكم الاندفاعة الصهيو - الأميركية التي تديرها الدولة العميقة في أميركا وهي التي تلعب دور القيادة الاستراتيجية للتشكيل الإقليمي الجديد «وإسرائيل» القاعدة الميدانية الأقوى فيه.
من هنا، فإذا كانت مشكلة العرب مع المشروع الصهيوني، هي مشكلة مع الدولة والنظام والمشروع وهو الأخطر، والمشكلة مع أميركا هي مع مشروعها الاستعماري وهو الأشمل، فإن المشكلة مع إيران هي مع مشروعها وهو الأخبث، لانه يعتمد مبدأ التقية السياسية في تعامله مع الآخرين. ولو كانت إيران اختارت لنفسها سياسة عدم التدخّل في الشأن العربي، واحتكمت الى علاقات حسن الجوار، لكانت وجدت نفسها في خندق واحد مع العرب في مواجهة المشروع الصهيوني وحاضنته الأميركية وكل من يهدّد أمنها. أما وانها نَحتْ منحى آخر، فلا تنتظرن موقفاً إيجابياً منها إلّا ممن ارتبط مصلحياً بها، وهي التي عمد نظامها الى التعامل مع أقطار الخليج العربي في المواجهة الأخيرة بخلفية العداء من خلال ما تعرضت له تلك الأقطار من قصف للمرافق الاقتصادية.
ان أمة العرب ليست ضد إيران كدولة جار فيما لو اختارت علاقة حسن الجوار، ولا ضد نظامها الذي تختاره شعوبها، ولكنها حكماً ضد مشروعها الذي أحدث تخريباً في الواقع العربي وقد ارتد عليها تدميراً. «وعلى أهلها جنت براقش».