بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 آذار 2025 12:00ص «بعثة إيرفيد»... البارحة مثل اليوم!

حجم الخط
في إطار محاولات إرساء دولة المؤسّسات في ستّينيات القرن الماضي، دعا الرئيس فؤاد شهاب العالِم الاقتصادي والإنمائي الأب لويس جوزف لوبريه، منشئ مؤسسة إيرفيد ورئيسها، للقيام بعملية مسح شامل ومكثف من خلال استطلاعات وتحقيقات ميدانية، للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والبنى الأساسية، والموارد الطبيعية وقطاعات الإنتاج والخدمات، وأدّت إلى وضع برنامج إنمائي هو الأول من نوعه في لبنان، بهذا المستوى العلمي وهذه الشمولية، لكنّه للأسف لم ينفّذ.
وفي محاضرة ألقاها الأب لوبريه في فندق فينيسيا عام ١٩٦٢، وسط جمهور من النخبة وبحضور أركان السلطة، أعلن أن لبنان ليس بحاجة إلى رساميل وأموال، بل إلى فريق حاكم متجرد ونزيه يتحلّى بروح وطنية واحدة، ينكب على العمل بإخلاص لحلّ المشكلات.
وقد درست البعثة خصائص البلد وقيمه وعاداته، واستنتجت أنها ليست كلها إيجابية، واستخلصت ستة مفاهيم سلبية أوردها جبرايل يونس، كبير معاوني البعثة خلال عملها في لبنان، في كتابه «بعثة إيرفد الفرصة الإنمائية الضائعة» نُشر عام 2016، وهي:
أولاً: يعيش اللبناني في حالة خداع مع نفسه، بسبب نجاحه في حقلي الأعمال والصفقات المالية، ما جعله يسلك سبلاً غير مضمونة النتائج على المدى البعيد، بالمقابل فإن الاستثمار في مشاريع صناعية وزراعية طويلة الأمد لا يغري اللبنانيين، كما أن لديهم اعتقادا خاطئا أن الغرب لن يتخلّى عنهم، وهذا تفاؤل غير مبرر.
ثانياً: يتخلّى اللبناني في مناطقه عن عاداته وتقاليده الموروثة، ويحلم بالوصول إلى مستوى عيش شبيه بما هو عليه في المدن، ما يشكّل عامل نزوح إلى العاصمة الكثيرة الازدحام، فيزيد من كثافة السكان ويفرّغ الأرياف من طاقاتها العاملة.
ثالثاً: تسيطر على اللبناني الروح الفردية، وهو أمر يتنافى مع إمكانية إقامة مؤسسات لها طابع الديمومة.
رابعاً: تكمن مأساة اللبنانيين في ولائهم لطوائفهم على حساب الولاء للوطن.
خامساً: يطلب الناس من الحكومات تحمّل أعباء كل عمل ذي طابع عام، فإذا تدخّلت الدولة يُعدّ تدخّلها افتراء على حقوق الناس، وإذا لم تتدخّل تُعدّ متقاعسة.
سادساً: إن لبنان بلد معقّد التركيب سواء على الصعيد السكاني أو على الصعيد الاقتصادي، له ميزاته وخصائصه المعينة التي تؤثر على مسار الحكم.
ولقد شاعت نكتة في حينها، أن المسؤولين أصرّوا لاحقاً على الأب لوبريه وضع خطّة بديلة عن تلك التي لم تُنفّذ، فاقترح هازئاً أن تبني الدولة طوّافات تُرسيها على سواحل لبنان وتنقل إليها جميع السكان، وتهدم كل شيء، وتُعيد بناء لبنان على أسس سليمة!