في السياسة كثيراً ما تُدان الشخصيات قبل أن يُعاد فهمها. وفي المجتمعات المنقسمة تتحوّل الأصوات التحذيرية إلى «أعداء مرحليين» لأنها تجرؤ على مواجهة فائض القوة السائد. وبعد سنوات من التخوين والتحريض والاقتتال يكتشف المجتمع متأخّراً أن الشخصية التي حوربت بعنف كانت في جوهر موقفها تحاول منع الانهيار الكبير قبل وقوعه. من هنا يبرز السؤال الصادم في المشهد اللبناني اليوم، هل يمكن أن يكون الشيخ أحمد الأسير الرجل الذي خيضت ضده واحدة من أعنف الحملات السياسية والإعلامية والأمنية قد حمل في جوهر مشروعه محاولة «نجاة مبكرة» للطائفة الشيعية والجنوبيين قبل غيرهم؟
لفهم هذه الفرضية لا بد من العودة إلى تطوّر حالة الأسير نفسها. فالشيخ الذي انطلق من مدينة صيدا لم يبدأ مشروعه بحمل السلاح بل بخطاب ديني قيمي بعيد عن الزواريب السياسية الضيقة. غير أن تطوّر الظروف اللبنانية والإقليمية دفعه تدريجياً نحو خطاب احتجاجي سياسي، تمحور بصورة أساسية حول رفض هيمنة سلاح حزب الله على الحياة اللبنانية واعتراضه على تحوّل الدولة إلى كيان عاجز أمام قوة عسكرية وأمنية وإعلامية مرتهنة للخارج تفوق مؤسساتها الرسمية.
كانت البلاد آنذاك تعيش تداعيات ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وأحداث السابع من أيار وما رافقها من شعور عميق لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن ميزان القوة الداخلي اختل بصورة خطيرة، وأن السلاح بعد العام 2000 لم يعد موجّهاً نحو إسرائيل بل بات أداة ضغط داخلي تُفرض عبرها المعادلات السياسية بالقوة والرهبة.
وسط هذا المشهد رفع الأسير خطاباً عالي السقف لكنه كرّر في أكثر من مناسبة أن مشكلته ليست مع الطائفة الشيعية بل مع «فائض القوة» الذي حوّل لبنان إلى ساحة نفوذ إيراني مفتوحة، وأدخل اللبنانيين في صراعات إقليمية تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. بل إنه قال علناً إن والدته وأخواله ينتمون إلى الطائفة الشيعية وإن اعتراضه ليس مذهبياً بل سياسياً وأخلاقياً تجاه مشروع عسكري أمني عقائدي يرى أنه يهدد اللبنانيين جميعاً بمن فيهم الشيعة أنفسهم.
ومن هنا يمكن فهم خطابه ضمن قاعدة إسلامية وأخلاقية عميقة «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» فالأسير رأى نفسه ناصراً للشعب السوري المظلوم في مواجهة نظام بشار الأسد وفي الوقت نفسه ساعياً إلى «نصرة» حزب الله عبر محاولة ردعه عن الانخراط في الظلم وعن التورط الدموي في الحرب السورية وعن الاستمرار في استخدام فائض القوة داخل لبنان وضد محيطه العربي.
وفي علم نفس الاجتماع السياسي كثيراً ما تفشل الجماعات المهيمنة في سماع الأصوات التحذيرية لأنها تقع تحت تأثير ما يُعرف بـ«وهم الحصانة التاريخية». وهذا ما حدث فعلياً. ففي ذروة القوة المالية والعسكرية والإعلامية بدا أن الحزب يعتبر أي اعتراض على مشروعه مجرد «مؤامرة» أو «تطرّف» أو «خدمة للأعداء».
ثم جاءت معركة عبرا التي شكّلت نقطة التحوّل الأخطر في مسار الشيخ الأسير. فالمعركة التي خيضت ضده بدهاء وانتهت بعشرات القتلى ودمار واسع، أدّت عملياً إلى إنهاء حالته الميدانية والسياسية وتقديمه للرأي العام بوصفه نموذجاً للفوضى والتطرّف. لكن مع مرور السنوات بدأت تُطرح أسئلة كثيرة حول السياق الذي أوصل الأمور إلى تلك النهاية، وحول حجم الاستفزاز والتصعيد والتوظيف السياسي والأمني الذي أحاط بالمشهد بأكمله.
واليوم وبعد التحوّلات الكبرى التي شهدتها المنطقة تبدو الصورة مختلفة عمّا كانت عليه قبل سنوات. فسقوط نظام بشار الأسد سياسياً وأخلاقياً في الوعي العربي، وحجم الكارثة السورية التي ساهمت فيها الميليشيات الإيرانية والدمار الذي أصاب الجنوب اللبناني والسقوط العسكري والسياسي الذي أصاب محور الممانعة، كلّها عوامل دفعت كثيرين إلى إعادة قراءة تلك المرحلة بعين مختلفة.
لقد تبيّن أن التحذير من تحويل لبنان إلى منصة نفوذ إيرانية لم يكن مجرد خطاب تعبوي بل قراءة سياسية مبكرة لمسار انتهى بعزل لبنان عربياً ودولياً، وباستنزاف البيئة الشيعية نفسها اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فالشيخ الذي صُوّر لسنوات باعتباره «الخطر على الشيعة» كان في الواقع من أوائل الذين حاولوا منع إدخال الطائفة الشيعية في مشروع استنزاف تاريخي طويل. أي إنه حاول بطريقته الصدامية أحياناً أن يمنع الحزب من أخذ الشيعة والجنوبيين إلى مواجهة مفتوحة مع الداخل اللبناني والعالم العربي والمجتمع الدولي.
وتُعرف هذه الظاهرة في علم الاجتماع السياسي باسم «تحوّل المُدان إلى شاهد مبكر على الكارثة». فحين تسقط منظومة القوة يُعاد اكتشاف الأصوات التي حذّرت منها سابقاً.
ومن هذا المنطلق يصبح الحديث عن قانون العفو العام وعن ملف الشيخ أحمد الأسير تحديداً قضية تتجاوز البُعد السنّي أو الفئوي الضيق بل يمكن النظر إليها كحاجة وطنية وشيعية أيضاً قبل أي شيء آخر.
فالمجتمعات الخارجة من مراحل الهيمنة تحتاج إلى مصالحة شجاعة مع الحقيقة لا إلى استمرار عقلية الثأر وإنكار التحولات. لأن الاستمرار في التعامل بعقلية القوة القديمة بعد سقوط موازينها لن يؤدي إلّا إلى مزيد من الانهيار وخصوصاً في الجنوب اللبناني الذي دفع وما يزال أثماناً بشرية واقتصادية هائلة.
إن أي بيئة سياسية تحتاج بعد الصدمات الكبرى إلى شخصيات واجهتها بصدق لا إلى شخصيات نافقتها خوفاً أو مصلحة. ومن هنا قد يكون على نواب حزب الله وشخصياته الدينية والمدنية أن يطرحوا على أنفسهم سؤالاً مختلفاً، هل كان من واجه مشروعهم بشجاعة في ذروة القوة أخطر عليهم فعلاً؟ أم أن الخطر الحقيقي كان في الأصوات التي دفعتهم نحو مزيد من الغرور والعزلة والانفصال عن الواقع؟
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تُبنى بالخوف ولا بالهيمنة ولا بتقديس السلاح بل بالتوازن والعدالة والشراكة واحترام الدولة. ولهذا فإن تحرير الحياة السياسية اللبنانية من إرث مرحلة الاستقواء لا يمكن أن يتم عبر استمرار عقلية الإلغاء بل عبر الاعتراف بأن لبنان دخل مرحلة جديدة سقطت فيها معادلات كثيرة كانت تبدو أبدية في نظر أصحابها.
وفي النهاية قد يختلف اللبنانيون حول أسلوب الشيخ أحمد الأسير أو بعض خياراته أو خطابه الحادّ، لكن ما بات يصعب تجاهله هو أن جوهر التحذير الذي أطلقه منذ سنوات أصبح اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فلا يمكن لأي قوة مهما امتلكت من المال والسلاح والإعلام أن تبني وطناً على الخوف وكسر الدولة واحتكار القرار.
وربما تكمن المفارقة الأقسى في أن الرجل الذي سُحق سياسياً وأمنياً واتُّهم وخُوّن لأنه قال يوماً «كفى» قد يتحوّل في ذاكرة المرحلة المقبلة إلى واحد من أوائل الذين حاولوا إنقاذ الجميع... بمن فيهم الذين حاربوه.