تشهد الساحة اللبنانية تسارعاً دراماتيكياً في حدّة الأزمات السياسية والاقتصادية المعقّدة، يتقاطع بشكل غير مسبوق مع تحوّلات جيوسياسية كبرى تعيد رسم موازين القوى في المنطقة برمّتها. وفي هذا التوقيت المفصلي البالغ الحساسية، جاءت العقوبات الأميركية الأخيرة وغير المسبوقة التي طالت لأول مرة حركة أمل ومؤسسات عسكرية رسمية لبنانية لتُسقط آخر الأوهام حول إمكانية استمرار الوضع القائم. وفي خضم هذه الموجة غير المسبوقة، خرج بهاء الحريري بموقف وبيان حاسم يستحق التأمّل والقراءة المعمّقة؛ لا لشخص قائله فحسب، بل لما يعكسه من محاولة جادّة لملء الفراغ السياسي والوطني، ولأنه يطرح سؤالاً وجودياً ومصيرياً لا مفر من مواجهته: هل يمكن إنقاذ صيغة لبنان ودولته وتعدديته في ظل استمرار هذه المنظومة الحاكمة؟ ومن هي القوة المؤهلة اليوم لطرح مشروع سياسي بديل وقادر على إخراج البلاد من قعر الانهيار وإعادتها إلى مسار التعافي والشرعية؟
يقدم المشهد الراهن قراءة واضحة المعالم لا تقبل اللبس، تفكك أبعاد الانسداد السياسي التاريخي، وترسم خطوط التماس الفاصلة بين نهج قاد البلاد إلى العزلة والخراب، ومحاولات جادّة لإعادة إحياء مشروع الدولة عبر بوابّة «حريرية متجددة» تفرضها واحة الأحداث الراهنة كضرورة وطنية ملحّة لا مجرد خيار سياسي عابر.
• لحظة كاشفة.. الانهيار الممنهج ورسائل العقوبات الدوليّة
لقد تجاوزت الأزمة اللبنانية منذ زمن بعيد توصيف «التعثر الاقتصادي» أو «الضائقة المالية» العابرة، لتستقر في خانة «الانهيار الشامل والممنهج» الذي أصاب البنى التحتية والمؤسساتية للدولة اللبنانية في الصميم. فالتحالف المصلحي المتشابك بين القوى السياسية والأمنية والمالية لم يعد مجرد عبء داخلي ثقيل يستنزف مقدرات اللبنانيين اليومية، بل تحوّل إلى ملف ساخن عابر للحدود تلاحقه عواصم القرار الدولي بملفات الاتهام والمساءلة والمحاسبة القانونية والسياسية.
من هنا، فإن العقوبات الأخيرة لا يمكن قراءتها كإجراء تقني محدود أو مجرد ضغط دبلوماسياً تقليدياً، بل هي رسالة دولية حاسمة وصريحة مفادها أن المنظومة التي أدارت الدولة اللبنانية بعقلية المزرعة والمحاصصة طوال عقود باتت موضع ملاحقة خارجية، بعد أن أخفقت آليات المحاسبة الداخلية إخفاقاً ذريعاً وتواطأت لحماية الرموز. هذا الأداء التدميري لم يتسبب فقط في إسقاط القطاع المالي وتفكيك المؤسسات وتجفيف السيولة، بل ضرب أعمق ركائز الاستقرار اللبناني التاريخي وهي «الثقة». إن تدمير الثقة العربية والدولية بالمنظومة زجّ بالبلاد في عزلة خانقة لم يشهد لها تاريخه مثيلاً، وحوّل لبنان من منارة للانفتاح الاقتصادي والثقافي في الشرق إلى ساحة مكشوفة ومعزولة تتقاذفها الأجندات الإقليمية والمحاور الغريبة عن هويته.
• معضلة السيادة والانقلاب المستمر على «اتفاق الطائف»
في عمق التقييم البنيوي للأزمة الراهنة، تبرز حقيقة سياسية قاسية وراسخة يتوقف عندها أي مسعى إصلاحي جديّ أو حوار إنقاذي: استحالة قيام دولة طبيعية ومستقرة في ظل ازدواجية السلاح.
إن وجود سلاح خارج عن الشرعية وموجه بأجندات وإملاءات عابرة للحدود الوطنية يشكّل النقيض التام لمفهوم السيادة الوطنية وسلطة القانون ومنطق الدستور. هذا الواقع المأزوم أنتج على مدى سنوات طويلة بيئة سياسية هجينة قائمة على غلبة فائض القوة والمحاصصة والتبعية للمشاريع الخارجية، مما مكّن قوى التعطيل والفرص من قيادة انقلاب مستمر وممنهج على اتفاق الطائف؛ ولم يقتصر هذا الانقلاب على تعطيل المندرجات الدستورية فحسب، بل تعدّى ذلك إلى تفريغ الروح الميثاقية للاتفاق التي قامت أساساً على التوازن والاعتدال والانتماء العربي الراسخ.
بناءً على هذا الواقع، فإن كل من يسعى اليوم إلى تبرير استمرار هذه المنظومة الفاسدة أو يحاول الدفاع عنها وتغطية ممارساتها تحت شعارات «الواقعية السياسية» أو «الحفاظ على الاستقرار الهش»، لا يعدو كونه شريكاً واعياً ومباشراً في إبقاء لبنان غارقاً في وحل الفوضى والانكشاف الأمني والاقتصادي التام. فالمشكلة لم تعد في تشخيص الأزمة أو توصيف أبعادها، بل في الإصرار المتعمّد والمصلحي على حماية أسبابها وصون أدواتها وتحصين رموزها من العقاب.
• الفراغ الذي لا يُحتمل وإعادة صياغة الخارطة القيادية
يرزح المشهد اللبناني عموماً، والبيئة السنية الوطنية خصوصاً، تحت وطأة فراغ قيادي حقيقي وقاتل، تحوّل سريعاً إلى أزمة وطنية وميثاقية بامتياز، إذ أفقد لبنان ثقلاً تفاوضياً وتوازنياً داخلياً وخارجياً لا يُستهان به في أدق وأخطر مراحل تاريخه الحديث، وحرم الساحة من صمام أمان رئيسي.
إن المواقف الأخيرة المطروحة تسعى بوضوح إلى التقاط هذه اللحظة المفصلية، لإعادة إحياء مشروع الدولة بلغة تتناسب مع حجم التحديات الحالية. فالحريرية في جوهرها التاريخي ونشأتها لم تكن يوماً مجرد تيار طائفي ضيق أو حزبي محدود، بل كانت مشروع دولة جامع يقوم على ثلاثية ذهبية: الاعتدال العربي، والانفتاح الاقتصادي، والعلاقات الدولية المتوازنة والمتينة. وهي ثلاثية يفتقدها لبنان اليوم بشدّة ويحتاجها أكثر من أي وقت مضى لكسر طوق العزلة ومواجهة تغوّل منطق «الدويلة» والمحاور على حساب منطق «الدولة» ومؤسساتها الشرعية التي تهاوت هيبتها.
• «الحريرية المتجدّدة».. ضرورة موضوعية لا «نوستالجيا» سياسية
أمام هذا التفكك الشامل وبلوغ الأزمة أفقاً مسدوداً بالكامل، تبرز محاولات جادّة لطرح الحريرية المتجددة بلغة المرحلة الحالية، برؤيتها السياسية المحدثة وبما تمثله من امتداد للمشروع الإنقاذي، كشريك مركزي ومحوري مؤهل لقيادة مرحلة الإنقاذ الصعبة وإعادة صياغة العقد الوطني تحت سقف الدستور والشرعية. إن الحاجة إلى هذا المشروع اليوم ليست مجرد حنين سياسي عاطفي إلى الماضي أو رغبة في استحضار النوستالجيا، بل هي ضرورة موضوعية تفرضها مرتكزات أساسية لا يمكن تجاوزها:
- الاعتدال والعمق العربي: امتلاكها القدرة التاريخية والدبلوماسية على كسر عزلة لبنان وإعادته إلى حاضنته العربية الطبيعية، وبناء جسور الثقة المفقودة مع الأشقاء والمجتمع الدولي، استناداً إلى ثوابت وطنية واضحة لا تساوم على سيادة الدولة وقرارها الحر.
- نهج المؤسسات والإعمار والتنمية: تقديم نموذج إداري وتنموي متطور يعلي منطق الدولة والقانون، ويفعّل المؤسسات الرقابية، ويغلب لغة البناء والإنماء والازدهار على لغة المحاور والصراعات العبثية والأيديولوجيات الصدامية التي أرهقت كاهل المواطن اللبناني وأوصلته إلى حد الفقر والهجرة القسرية.
- التوازن الوطني والاعتدال السياسي: تمثيلها لكتلة شعبية وسياسية عريضة عابرة للمناطق ترفض المغامرات الانتحارية، وتتمسّك بالاستقرار والسلم الأهلي وحق اللبنانيين في العيش الكريم، مما يجعلها نقطة الارتكاز الطبيعية لأي تكتل سيادي عريض يسعى لإخراج البلاد من ثنائيات التعطيل والمواجهة العقيمة.
• شرط النجاح ورهان التجديد الحقيقي
غير أن الحريرية المتجددة، إن أرادت أن تكون مشروعاً إنقاذياً حقيقياً يلتف حوله اللبنانيون، فهي مطالبة بتقديم برنامج عملي ملموس وشروط نجاح واضحة يتجاوز بها الطروحات التقليدية:
1. رؤية اقتصادية وإصلاحية شاملة: صياغة برنامج مالي واقتصادي صارم وعلمي يرتكز على الخبرة التنموية، ويتناغم مع متطلبات المؤسسات الدولية ومكافحة الفساد البنيوي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي لحماية حقوق المودعين وثرواتهم المحتجزة.
2. خطاب وطني جامع عابر للاصطفافات: تقديم مشروع وطني شامل يتجاوز الحدود الطائفية والمناطقية الضيقة، ويخاطب تطلّعات الشباب اللبناني في بناء دولة المواطنة والقانون وتكافؤ الفرص، بعيداً عن منطق الزبائنية السياسية والوعود التي لم تعد تجدي نفعاً.
3. إثبات عقلانية القيادة والجهوزية: برهنة أن الأولوية القصوى للمرحلة هي إنقاذ كيان الدولة والنهوض بالبلد وحماية هويته، لا مجرد الصراع على المقاعد. فاللبنانيون الذين عانوا الأمرّين وذاقوا طعم الذلّ أمام المصارف والمؤسسات لن يمنحوا ثقتهم مجدّداً إلّا لمن يحمل برنامجاً علمياً قابلاً للتطبيق لا شعاراً برّاقاً، ومشروعاً حقيقياً لا واجهةً سياسية مستعارة.
• رياح التغيير الإقليمي وحتمية السقوط التاريخي
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل المستقبل اللبناني ومسار أزمته عن الديناميكيات الجديدة ورياح التحوّل الكبرى التي تعصف بالمنطقة بأسرها. إن التحوّلات الضخمة والتغيير الإيجابي والتاريخي الذي شهدناه لدى الأشقاء في دول مثل العراق وسوريا يسقطان بصورة قاطعة أطروحة «أبدية الأنظمة المغلقة» ومنظومات الهيمنة والتعطيل والفساد البنيوي المحمي بقوة السلاح.
تثبت الوقائع الإقليمية المستجدة أن زمن السيطرة الأحادية قد ولى، وأن إرادة الشعوب في استعادة دولها وسيادتها وصون استقرارها الداخلي وبناء اقتصادياتها الحديثة هي دائماً أقوى وأبقى من مشاريع الفوضى والانهيار والحروب العبثية، مهما عظمت التحديات وجسمت التضحيات. بالتالي، فإن التغيير في لبنان لم يعد مجرد خيار سياسي تطرحه جبهة ضد أخرى أو مناورة انتخابية، بل تحوّل إلى ضرورة تاريخية ووطنية جوهرية لإنقاذ ما تبقّى من الفكرة اللبنانية، ولن يكون بمقدور أي قوى موضعية، مهما ملكت من فائض قوة، وقف اندفاعة هذا التحوّل التاريخي.
لقد سقطت الأقنعة تماماً وتهاوت كل الشعارات الفضفاضة والمقاومة المزيفة أمام واقع معيشي مرير وكارثي فرضه منطق المحاصصة والفساد والتبعية العمياء للخارج. إن لبنان، بتاريخه العريق وهويته العروبية المنفتحة وبنية مجتمعه التعددي الحيّ، لا يمكن أن يستسلم لواقع الفشل الذريع والسقوط الأخلاقي والسياسي للمنظومة الحاكمة أمام شعبها وأمام ضمير العالم والمجتمع الدولي.
يحتاج لبنان في هذه اللحظة التاريخية الفارقة إلى حريرية متجدّدة تجسّد بصدق روح المؤسسين السيادية والإنمائية، مضافاً إليها عقلانية المرحلة وجرأتها، والقدرة على مواكبة لغة العصر والمتغيّرات الكبرى؛ لأن دولة المؤسسات والقانون والسيادة والاعتدال هي القدر التاريخي الحقيقي للبنان، ومهما عظمت التحديات وتأخّرت ساعة الخلاص، فإن رياح التغيير القادمة ستحدّد ما إذا كان لبنان سيشهد فجراً حقيقياً للنهوض أم سيبقى أسيراً لأزمات الماضي المتجدّدة.