العالم كله اليوم، تحوّل إلى ساحة كبرى. شمّر اللاعبون عن سواعدهم ونزلوا بكل عتادهم وبكامل عدتهم إليها، لا يحفلون بما يصيب شعوبهم من أخطار، ولا بما يتحمّلون من خسائر، أقلّها، فقدان بيوتهم وأرزاقهم وأعمالهم، وكذلك رواتبهم ومدخراتهم وطعام العشاء، لأن نيران الحروب لا ترحم أحدا، لا الصغير ولا الكبير.
لم يعد الشرق شرقا، ولا الغرب غربا. زحفت الحروب عليهما، فوحّدت الجبهات وقوتها ودعمتها. وصارت جميع البلدان هنا وهناك وهنالك أمما شتى مشاركة، إما بالنيران أو بالمال أو بالسلاح. لأن الحروب، حين تشب للحكام، لا توفر أحدا، حتى ولو كان في أعلى الجبل.
حروب في أفريقيا، وحروب في آسيا، وحروب في أوروبا نفسها. وشعوب العالم كلها، تدفع ضريبتها، وأهم تلك البلدان التي طالتها الحروب بنيرانها: السودان والصومال والنيجر ونيجيريا، ولم توفر مالي، ولا الصحراء المغربية، قرعت بابها ودخلت إليها منذ سالف العصور، ولم تعد تستطيع أن تخرج منها.
لم تهدأ الحرب يوما في اليمن، عاشت الشعوب هناك على وقع زلازلها. أما في أوكرانيا، فلا تزال الحرب في محلها، والأعوام تمضي، عاما بعد عام، والخسائر في المال وفي الأرواح، لا تقدّر بأثمان، وزيلينسكي يتنصّت على مكالمة هاتفية بين بوتين وترامب، بشأن الهدنة.
جاء الربيع العربي، فأهوى بالقيادات وبالرؤساء وبالأنظمة، قلبها رأسا على عقب في ليبيا وفي تونس وأخيرا في سوريا، بعد أن عانت قرابة الخمس عشرة عاما تحت وطأتها. فرّ بعدها الأسد ليلا، في تهريبة سياسية، تحت جنح الظلام إلى روسيا، وها هو اليوم مطلوب مع زبانية النظام البائد إلى المحكمة، بعد فتح قصر العدل في جمهورية الشرع الجديدة.
لا ننسى أيضا الأثمان الباهظة التي دفعتها شعوب العراق ولبنان وفلسطين وإسرائيل، فقدت كوتها الحروب بنيرانها، فأحرقت البلاد والعباد، ولا تزال النيران مشتعلة فيها، وهي تتسع ولا تهدأ، ألا لتشتدّ من جديد، حتى تقلب المنطقة كلها، ويصبح عاليها، دانيها.
الدول الكبرى اليوم في قلب المعمعة، روسيا تناطح أوكرانيا، وأميركا تناطح إيران، وقلوب العالم كله واجفة، لا تعرف ما تستجرّه هذة الحروب عليها من خسائر، غير أن الأمر صار جليّا وواضحا، بعد فرض الحصارات في المضائق، وارتفاع أسعار النفط عالميا، بحيث قلبت المعادلات، واندفعت النيران في جميع دول الخليج بلا إستثناء، بحجة القواعد العسكرية الأميركية، والتي لم تصب طيلة حرب الستين يوما، ولو بشظية واحدة.
لا شيء يبشّر بالخير في هذه الأيام المرعبة، فمن إحتراق المزارع والكروم والحقول، إلى ضرب الأبنية والمجمعات التجارية والسكنية، وكذلك العمائر والأسواق والقلاع الأثرية و التراثية، بالإضافة إلى المعامل والجسور والطرقات، بحيث رزحت شعوب كثيرة تحت الأخطار، وهي لا تدري اليوم متى تنتهي الحرب، لأن الجوع أقسى أنواع الحروب، وأن قطرة الماء، تعادل الحياة.
نترحّم اليوم على الحرب العالمية الأولى. ونترحّم كذلك على الحرب العالمية الثانية. نتذكّر الإعدامات بالجملة. نتذكّر أيضا المحارق وما نصب للشعوب من أفران، لتذويب البشر وتقطيع لحومهم وتذويب عظامهم، وكذلك شواء أثداء النساء وأكباد الأطفال. نتذكّر أيضا المقابر الجماعية والمقاصل والمشانق في الساحات وفي السجون وفي وتحت شرفت قصور الحكام، غير أن كل ذلك لا يقاس، إذا ما نظرنا حاليا، إلى مشاهد الحروب في حياتنا اليومية.
ترى السماوات السبع الطباق تغزل بالطائرات الحربية وبالصواريخ القادمة من أقصى الجهات، وبالمسيّرات المزوّدة بالرؤوس المعدة للانفجارات القوية، حتى لنكاد نترحّم على جميع الحروب القديمة، حيث كانت الأسلحة، أقل كفاءة، وحيث كان الذكاء الإصطناعي، لا يزال في الأرحام، وحيث كان هوس الحكام بالسلطة وبالتسلّط في الدرجة العاشرة، إذا لم نقل في الدرجة العشرين، مما يحدث اليوم على مشاهد من أعيننا الشاخصة، في الدول الكبرى والصغرى، وفي دول القرار.
حقيقة، نحن نعيش اليوم تحدّيات الساحة العالمية. برز الكل إلى الكل، واستعملوا جميع الأسلحة. غاصوا في الحروب حتى آذانهم، على حساب شعوبهم الجائعة، وأبطلت المدارس والجامعات، وصار الناس إما قتلة وإما ضحايا، دون أن ترحم الحروب أحدا منا، مهما كان نائيا عن ميادينها.
هاجمتنا الحروب دفعة واحدة، أينما كنا، وزادت الأسعار زيادة جنونية ودخلت الشعوب كلها في تحدٍّ مع التجار وتجار الحروب، لِمَ لا! وشهد العصر على أعظم المجاعات، نشير إليها إشارة، ولا نسمّيها، خشية على انفسنا، من سيف الإنتقام.
فالملايين يتضورون جوعا، والملايين ينزحون، والملايين تركوا المدارس والجامعات منذ سنوات، فكيف تعوّض الأجيال ما أصابها؟!
مدن وقرى أصابتها الحروب بالزلازل، في أفريقيا وأسيا وأوروبا، أحرقت دورها ومجمعاتها، ومحت معالمها ومدارسها وجامعاتها وأسواقها. فمن يردّ عليها خسائرها؟ وهل هناك بعد، ما يتسع لتحديات الساحة العالمية، التي أطبقت علينا، نحن فقراء الأرض، وحملة شعار رغيف الخبز والكتاب والكساء والدواء... وعبوة حليب صغيرة للأطفال من دور الإغاثة، من الصباح حتى المساء؟!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية