لم تعد الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله مجرد مواجهة عسكرية على الحدود الجنوبية للبنان، بل تبدو اليوم نقطة تحوّل قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ لبنان والمنطقة. فالحروب الكبرى لا تنتهي عند وقف إطلاق النار، بل تخلّف وقائع سياسية وجغرافية جديدة، وتفرض توازنات قد تستمر لعقود طويلة.
وإذا كانت إسرائيل تبرر عملياتها العسكرية بضرورة حماية مستوطنات الشمال وإبعاد الخطر عن حدودها، فإن حجم الدمار الذي لحق بالجنوب اللبناني وطبيعة التصريحات الصادرة عن بعض القادة والمفكرين الإسرائيليين يثيران تساؤلات مشروعة حول الأهداف الحقيقية للحرب وما قد ينتج عنها من تغييرات دائمة على الأرض.
ففي 14 كانون الثاني 2024 كتب عوزي دايان في صحيفة «معاريف» داعياً إلى إقامة ما سمّاه «منطقة موت» تمتد من الحدود اللبنانية حتى نهر الليطاني، يتم إخلاؤها من سكانها وتدمير بنيتها التحتية، بحيث يصبح كل من يبقى فيها هدفاً للقوات الإسرائيلية. وقد جاءت هذه الدعوة بعد أشهر من الحرب والتصعيد، لكنها في الواقع تعيد إلى الواجهة أفكاراً ومطالب ليست جديدة في الفكر الصهيوني.
فمنذ مؤتمر السلام في باريس عام 1919 سعى قادة الحركة الصهيونية، وفي مقدمتهم حاييم وايزمن، إلى توسيع حدود الدولة اليهودية المنشودة لتشمل مناطق تقع شمال فلسطين وصولاً إلى نهر الليطاني، مستندين إلى اعتبارات مائية وأمنية واقتصادية. كما حذّر عدد من المفكرين اليهود أنفسهم، ومن بينهم المستشرق الفرنسي سيلفان ليفي، من أن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين قد تؤدي إلى اقتلاع السكان العرب من أرضهم وتحويل الصراع إلى أزمة دائمة في المنطقة.
اليوم، وبعد أكثر من قرن على تلك المطالب، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد يفرض المقارنة مع تجارب سابقة عرفها الشرق الأوسط. فالقرى الجنوبية تعرضت لدمار واسع، وآلاف المنازل سويت بالأرض، وتضررت الأراضي الزراعية والبنى التحتية، فيما نزح عشرات الآلاف من السكان بعيداً عن قراهم ومدنهم. أما المدارس والمؤسسات الاقتصادية فقد توقفت أو تقلص نشاطها، مما يهدد جيلاً كاملاً بفقدان الاستقرار وفرص العمل والتعليم.
ولا يقتصر الخطر على الدمار المادي. فالتجارب التاريخية تظهر أن الحروب الطويلة كثيراً ما تؤدي إلى تغييرات ديموغرافية واجتماعية يصعب عكسها لاحقاً. فحين يغيب الأمان وتتلاشى فرص الحياة الكريمة، يصبح النزوح المؤقت هجرة دائمة، وتتحوّل القرى المهجورة إلى مناطق يصعب إعادة إعمارها أو استعادة حيويتها.
من هنا يبرز السؤال الأساسي: هل تهدف إسرائيل فقط إلى إبعاد حزب الله عن حدودها الشمالية، أم أنها تسعى إلى فرض واقع أمني جديد يجعل أجزاء واسعة من جنوب لبنان منطقة خاضعة عملياً لرقابتها ونفوذها، ولو من دون إعلان ضم رسمي؟
صحيح أن القانون الدولي والظروف السياسية العالمية لا تسمحان بسهولة بضم أراضٍ لبنانية، لكن التاريخ يعلمنا أن الاحتلالات لا تبدأ دائماً بقرارات رسمية. فكثير من الوقائع الجغرافية والسياسية فُرضت تدريجياً تحت عناوين أمنية مؤقتة ثم تحوّلت مع مرور الزمن إلى أوضاع دائمة يصعب تغييرها.
وفي الداخل اللبناني، تفرض الحرب بدورها أسئلة مصيرية. فكيف يمكن إعادة إعمار الجنوب في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة؟ وما مستقبل العلاقة بين الدولة وحزب الله؟ وهل يستطيع لبنان الاستمرار في معادلة تجمع بين سلطة الدولة وسلطة السلاح خارج إطارها؟ وما هي الضمانات التي تحول دون تكرار هذه المأساة بعد سنوات قليلة؟
وفي المقابل، فإن إسرائيل ليست بمنأى عن تداعيات الصراع. فالحروب الطويلة تستنزف الاقتصاد، وتعمّق الانقسامات الداخلية، وتضعف صورة الدول في الرأي العام العالمي. وقد أثبت التاريخ مراراً أن التفوّق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار السياسي أو فرض السلام الدائم.
إن السؤال الذي سيحكم مستقبل لبنان بعد انتهاء هذه الحرب ليس من انتصر ومن انهزم، بل أي واقع جديد سيولد من تحت الركام؟ وهل سيبقى الجنوب اللبناني كما عرفه أبناؤه عبر الأجيال، أم أننا أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدوده الديموغرافية والسياسية والأمنية؟
لقد دفع اللبنانيون مراراً ثمن صراعات تتجاوز حدود وطنهم وإمكاناته. أما اليوم، فإن الخشية الكبرى ليست من استمرار الحرب فحسب، بل من أن يتحوّل ما يُقال إنه إجراء أمني مؤقت إلى واقع دائم، وأن يصبح جنوب لبنان مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراعات الجغرافيا والتاريخ والطموحات الإقليمية.
للذكرى والتاريخ، فإن أخطر التحوّلات في منطقتنا لم تبدأ عادة بإعلانات رسمية، بل بدأت بوقائع فُرضت على الأرض ثم اعتاد العالم عليها. والسؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم هو ما إذا كانت الحرب الحالية تشكّل إحدى تلك اللحظات المفصلية.