أعيدوا جبل عامل
من يعيد لنا جبل عامل؟ هذا هو سؤال اللبنانيين جميعا اليوم، وليس سؤال الجنوبيين وحدهم. ليس سؤال العامليين (نسبة إلى جبل عامل فقط) وحدهم. ليس سؤال الشهداء، والشهداء الأحياء وحدهم. ليس سؤال النازحين إلى الأرصفة وإلى مراكز الإيواء. ليس سؤال الجرحى والمنكوبين ببيوتهم وقراهم وحقولهم وأرزاقهم. ليس سؤال المحرومين من شعرائهم ومن قصائدهم ومن مدافن وقبور وأجداث أهلهم وأحبابهم.
من حق اللبنانيين جميعا أن يسألوا هذا السؤال المركزي، لأنه سؤال وطني بإمتياز، وليس سؤالا فئويا. فما أصاب جبل عامل، أخذ من لبنان ثلثه قبل الحرب، كما أخذ من لبنان ثلثيه بعد الحرب. فالمنشآت غير المدنية التي بنيت فيه، نالت من ثلث لبنان أرضا وشعبا قبل الحرب. أما بعدها، فقد ذهبت بثلثيه، لأن الحرب أزاحت أهل جبل عامل، إلى رقعة أخرى من الشطرنج، إلى بقعة أخرى من الأرض.
من يعيد إلينا حقا، الأنفاق التي صرفنا دون جدوى، المليارات الطائلة عليها؟ من يعيد لنا البنى التحتية التي ذهبت بالأرواح والأموال؟ من يعيد لنا الخمسين عاما التي أهدرت من أعمارنا، بإنتظار برهة النصر الهائمة والواهمة؟
يقولون لنا:
خسرنا الأرض، ولم نخسر المعركة. شاهدوا بأمّ أعينكم ما جرى لنا ولأحبابنا، بعد هذا القول القديم/ الجديد، منذ الخامس من حزيران، العام1967.
لماذا المكابرة بعد على الإقرار بالخسارة الآن، وهي ماثلة في خسارة الشاطئ الأرجواني من الناقورة إلى صور وصيدا، بل هي ماثلة في خسارة مرسح عاشوراء السنوي، من النبطية إلى الزهراني وإلى الليطاني، وبعد خسارة مدينتنا العظيمة بنت جبيل، إلى الشقيف وأرنون وصريفا والخيام وبلاط ومرجعيون.
حقا، من يعيد لنا تلك القرى الضائعة. وتلك المدن الضائعة، وتلك الأراضي الشاسعة، إلى حدود عديسة ودير ميماس وأعالي شبعا وكفرشوبا والمزارع، التي كانت الحجة في إطلاق شرارة التحرير والإستعادة؟
آه ما أصغر الحجّة.. ما أتفهها، آه ما أعظم الخسارة!
من أذن بجعل جبل عامل، بكل تاريخه، وبكل شعبه، وبكل شساعته، أن يكون بدن قتيل، أن يكون أرض جريمة موصوفة، بكل معنى الكلمة؟
فلا نزال نراجع المسؤولين كيف تخلّوا عن مسؤولياتهم. ولا نزال نراجع الدولة أيضا، كيف تخلّت عن الأرض والعرض. بل لا زلنا نراجع الأقمار الصناعية، التي لم ترً تراب الأنفاق، وحديد الأنفاق وعمال الأنفاق والآلات الضخام لصنع الأنفاق طيلة أربعين عاما،، حتى صار جبل عامل بالكلية، إلى السباء وإلى الإستباحة. فجميع ما أنفق عليه خلال خمسين عاما، ذهب مع الريح، ولم تبقَ مدرسة هبة لأولادنا، ولم يبقَ كتاب مدرسي هبة لهم أيضا.. صارت مدارس جبل عامل مراكز إيواء للعائدين من الموت على الطرقات وعلى الأرصفة.
جبل عامل ليس أرضا بلا شعب، حتى يجري عليه ما جرى. فأية مظلمة عظيمة أصيب بها، وأية محرقة تعرّض لها، وأية مفاوضات خسيسة ولئيمة، تجري على حسابه، في مثل هذه البرهة اليائسة.
من يعيد للبنانيين دروبهم القمرية إلى جبل عامل، إلى مصائفه التاريخية الشهيرة: في جباع وجرجوع ومليتا وجبل صافي واللويزة وأعالي جزين والريحان؟
سألتكم: أعيدوا جبل عامل لنا، بأية شروط، فضياعه أعظم من خسارة حرب، ذهبت بأموالنا وأرواحنا، ذهبت بالأرض والعرض، والكرامة الوطنية.
سألتكم! فتشوا عن الجيش، وأعرضوا عليه جبل عامل، بلا مساومة. حمّلوه هذا الحمل الثقيل الذي أورثتموه له، وأنا الكفيل لكم، أنه على قدر المهمة، بلا مشاركتكم ولا مشاركة العدو، الذي وصل إلى أنوفنا وإلى مهاجعنا، وأنتم تتوعدونه، وهو يظهر علينا.
كفى مساومة إذن، كفى مساومة، لأن جبل عامل، أغلى من الضحك على الذقون، و من كل مساومة!






