لا يمكن الحكم على زيارة رئيس الحكومة نواف سلام والوفد الوزاري المرافق قبل ظهور نتائج تنفيذية ولو في ملف واحد من الملفات المعقّدة والعالقة بين لبنان وسوريا، لا سيما ملفات الحدود ومنها على الأخص حدود مزارع شبعا المحتلة والبلدات المتداخلة من جهات منطقة العرقوب والبقاع الغربي والشرقي والشمالي، عدا الملفات القضائية والامداد بالكهرباء أو الغاز، والأهم مصير الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والمتعلقة بالنقل وغيرها الموقّعة بين البلدين، وأهمها اتفاقية الاخوة والتعاون والتنسيق التي اتخذ البلدان قرارا بإلغائها لا تعديلها، وبدا انها وضعت طي النسيان، بمعنى ان التغيير في سوريا فرض تجميدها عملياً برغم ان معلومات «اللواء» كانت تفيد ان موظفي مكتب الأمانة العامة للمجلس الأعلى اللبناني - السوري الذي يرأسه نصري خوري، كانوا يداومون تطوعا لتسيير بعض الأمور الإدارية، مع انه تمّت مداهمة المكاتب وسحب العديد من المستندات منها عند بداية التغيير في سوريا.
من حيث المبدأ الزيارة مهمة لأسباب عديدة لأنها تتعلق بإعادة تنظيم العلاقة بين لبنان وسوريا، برغم بعض الملاحظات التي أبديت حول التوقيت في هذا الظرف العسكري والسياسي المتوتر، ومجازر القتل المجاني التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي واحتلال مزيد من الأراضي على مرأى العالم والدول الوسيطة والصديقة، ولا تلقى معالجة رسمية من لبنان ومن الدول المعنية. لكن يبدو ان ترتيب العلاقات الثنائية اللبنانية – السورية مرتبط بترتيب أوضاع المنطقة كلها تمهيداً لمشاريع الحلول السلمية التي يكثر الكلام عنها تحت ضجيج الطائرات الحربية والبوارج وحاملات الطائرات وحشد آلاف الجنود، لذلك تسعى الحكومة الى تسريع معالجة الملفات العالقة ليكون البلدان جاهزان لتلقّف ما سيتمخض من مساعي التسويات والتهدئة وربما تحقيق السلام.
وحسب المعلومات التي أدلى بها الرئيس سلام والرئيس أحمد الشرع، ثمة حرص من الجانبين على تعزيز الاستقرار بين البلدين وعدم تدخل الواحد في شؤون الآخر، لكن لم يتم البتّ بتنفيذ أي ملف سوى تشكيل مجلس الأعمال اللبناني - السوري وتحديد موعد لزيارة وفد اقتصادي ومن رجال الأعمال اللبنانيين الى دمشق في حزيران المقبل. بينما تحدثت معلومات غير رسمية عن طرح قيد الدرس مفاده استفادة لبنان من القدرة الإنتاجية الكبيرة لمعامل الطاقة السورية مقابل توفير لبنان الغاز اللازم. وان الاجتماع بين وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ووزير النقل السوري، ركّز في جزء كبير منه على ملف المعابر الحدودية البرية، وحيث طالب الوفد اللبناني بالإسراع فتح معبر العبودية عند الحدود الشمالية. فيما اجتمع نائب رئيس الحكومة طارق متري مع وزير الداخلية أنس الخطاب في مقر وزارة الداخلية لمتابع ملف تبادل السجناء والمحكومين والمخفيين قسراً وتعزيز التنسيق الأمني لدعم الاستقرار. وضرورة التشدّد في ضبط الحدود السورية - اللبنانية ومنع التهريب بكل اشكاله، إضافة الى المواضيع التي تناولها البحث وأعلن عنها رسميا الرئيس سلام قبل مغادرة دمشق وكلها قيد البحث والدرس.
هي زيارة لبنانية الى سوريا من ضمن زيارات فتح الصفحة الجديدة «لتمتين العلاقة من دولة إلى دولة» كما قال الرئيس سلام، لكن يبدو من مسار الزيارات التي بدأت منذ سنة، ان آليات المتابعة واتخاذ القرارات والتنفيذ بطيئة جداً، ربما بسبب إنشغال البلدين بالحرب الإسرائيلية العدوانة عليهما وبتطورات الحرب الأميركية – الإيرانية والتي طالت بنتائجها دول الخليج العربي والاجتماعات العربية المتتالية التي انعقدت حول هذه الحرب. وإذا استمرت هذا الوتيرة البطيئة في معالجة كل هذه الملفات ستبقى العلاقات متأرجحة بين هبّة باردة وهبّة ساخنة لا سيما على الصعيد الأمني والحدودي حيث ينتشر المسلحون والمهرّبون على جانبي الحدود. لذلك فالضرورات الطارئة تفرض على البلدين تسريع هذه الوتيرة والبدء بإقرار ما يجب إقراره وتنفيذه بلا تأخير.