العميد الركن المتقاعد جورج جاسر
ما أشبه اليوم بالأمس. في عام 1982 دخلت إسرائيل إلى لبنان بقوة النار وانتهى المسار باتفاق 17 أيار الذي وُلد ميتاً قبل أن يُنفَّذ. اليوم يعود المشهد بصيغة أكثر تعقيداً: قصف مستمر، واحتلال جزئي، وتهجير واسع، ولبنان يُدفع مجدداً إلى طاولة تفاوض تُدار تحت ضغط النار والتوازنات الإقليمية. والسؤال الذي لم يتغيّر منذ 1982 هو نفسه اليوم: من يضمن أن ما يُوقَّع على الورق يصمد على الأرض؟
في حروب الوكالة لا يُسأل أصحاب الأرض عن رأيهم. لبنان عاش هذه المعادلة عقوداً: ساحة مفتوحة للصراعات وقرار موزّع بين عواصم الخارج. تحوّل سلاح المقاومة من عنصر ردع في مواجهة إسرائيل إلى جزء من منظومة إقليمية أوسع، قبل أن يتحوّل داخلياً إلى عنصر انقسام حاد بعد خروجه من إطار الإجماع الوطني واعتبار الدولة اللبنانية له خارجاً عن القانون. وفي الحصيلة دفع اللبنانيون الثمن: دماراً واسعاً، ونزوحاً يتجاوز المليون ومئتي ألف من أبناء الجنوب، وانهياراً اقتصادياً واجتماعياً متواصلاً.
لكن السؤال الذي يسبق كل هذا: ما الذي أجبر لبنان على التفاوض تحت النار؟ الجواب مزدوج ومؤلم. فمن جهة دخلت المقاومة حرب الإسناد لغزة وبعدها لإسناد إيران بقرارين إقليمين لم يحظَيا بتوافق وطني حقيقي، فورّطت لبنان في مواجهة لم يخترها وأعطت إسرائيل ذريعة لتدمير ما بُني خلال عقدين. ومن جهة أخرى وجدت واشنطن في هذه اللحظة فرصة استراتيجية - مقاومة منهكة وإيران في ذروة ضعفها - فضغطت على بيروت للدخول في مفاوضات مباشرة لأن تسوية الملف اللبناني تخدم صفقتها الإقليمية الأكبر. لبنان جلس على الطاولة لا لأنه جاهز بل لأنه لم يعد يملك ترف الانتظار، حيث التدمير والضحايا وقضم الممنهج للأراضي اللبنانية يستدعي تحرّك سريع وطارئ لوقف الخسائر بكل أشكالها.
قبول إسرائيل التفاوض لم يكن تطوّعاً. تداخلت ضغوط إقليمية ودولية مع مسار أوسع يشمل المفاوضات الأميركية - الإيرانية في باكستان، حيث ربطت طهران ملفات الإقليم بتسويات كبرى فوجدت واشنطن نفسها مضطرة لإدارة توازن دقيق بين الجبهات. كما أن إسرائيل التي استُبعدت من أجواء تلك المفاوضات رأت في طاولة لبنان فرصةً للتأثير في مسار الصفقة الإقليمية الكبرى، فضلاً عن سعيها لتثبيت احتلال الحزام الأمني واقعاً سياسياً دائماً. أما الدبلوماسية اللبنانية فقد وظّفت المجازر التي ارتكبتها إسرائيل وحصدت مئات القتلى والجرحى سلاحاً دبلوماسياً - إذ تقدّمت بشكاوى رسمية أمام مجلس الأمن موثّقةً انتهاكات القانون الدولي الإنساني ومطالبةً بتصنيفها جرائم حرب، فكانت موجة الإدانات الدولية التي أحرجت إسرائيل وضيّقت هامش تعنتها محوّلةً التفاوض من إملاء قوة إلى مسار شرعية دولية.
اليوم يدخل لبنان مفاوضات مباشرة غير مسبوقة حول ملفه الحدودي والأمني. في المقابل تفرض إسرائيل سقفها بوضوح: نزع سلاح حزب الله والتطبيع مع استمرار العمليات العسكرية، ما يجعل التفاوض أقرب إلى اختبار قوة منه إلى مسار تسوية متوازن. وفي الخلفية يقف أكثر من مليون نازح جنوبي كعامل ضغط إنساني وسياسي لا يحتمل التأجيل، فيما تحاول الدولة اللبنانية إظهار نفسها كياناً واحداً في مواجهة واقع داخلي منقسم.
جوهر الأزمة لا يكمن فقط في شروط التفاوض بل في بنيته نفسها. إسرائيل تسعى إلى تحويل الدولة اللبنانية من طرف مفاوض إلى جهة ضامنة لتنفيذ ما لم تستطع هي تحقيقه عسكرياً - فكيف تُطالب دولة بما عجزت عنه أقوى آلة عسكرية في المنطقة؟ لبنان يعترف بأن حزب الله خارج عن القانون وهذا شأن سيادي داخلي، لكن هذا الاعتراف لا يُعطي إسرائيل حق احتلال أرضه. يُضاف إلى ذلك أن القرار الإسرائيلي قابل للتبدل أو التعطيل في أي لحظة بناءً للمزاج لا لمنطق التسوية، ما يجعل أي اتفاق محتمل هشّاً منذ ولادته.
الأوراق القانونية اللبنانية أثقل مما تبدو: اتفاقية الهدنة 1949 اعترافٌ إسرائيلي موقَّع بالحدود اللبنانية يجعل كل احتلال خرقاً صريحاً لاتفاقية لم تُلغَ يوماً، وقرار 1701 يوثّق التزامات إسرائيلية غير منفَّذة، واتفاق الترسيم البحري 2022 يُثبت إمكانية التفاهم رغم النزاع السياسي. لكن هذه الأوراق تبقى بلا قيمة فعلية من دون ثلاثة عناصر: تغطية سياسية داخلية شاملة مستندة إلى اتفاق الطائف العقد الوطني الجامع، وضمانات تنفيذ دولية ملزمة تمنع انهيار الاتفاق عند أول اختبار، وتقوية فعلية للجيش اللبناني بما يُمكّن الدولة من فرض التزاماتها على كامل أراضيها.
الأخطر من فشل الاتفاق هو نجاحه الشكلي وانفجاره عملياً. تنفيذ أي تسوية في بلد منقسم يعني تحميل دولة عاجزة مسؤوليات ضخمة في ملف بالغ الحساسية. عندها يصبح لبنان أمام سيناريو بالغ الخطورة: فشل في التنفيذ يمنح إسرائيل ذريعة للبقاء أو التمدد، أو محاولة فرض التنفيذ داخلياً بما قد يفتح باب صدامات تهدد الاستقرار الهش. وفي كلا الحالين يُعاد إنتاج الصراع بصيغ جديدة - لأن استمرار الاحتلال يُبقي الذريعة القانونية لمقاومته قائمةً ومشروعة وفق مبادئ راسخة في القانون الدولي.
هنا يظهر جوهر المعضلة اللبنانية: الدولة مطالبة بتوقيع اتفاق لا تملك أدوات تنفيذه كاملة، وفي الوقت نفسه مطالبة بمنع انهياره. وبين خارج يضغط وداخل منقسم يتحول لبنان إلى مساحة اختبار قاسية بين السيادة الممكنة والسيادة المستحيلة. ورغم ذلك تبقى اللحظة مفصلية - لبنان يجلس للمرة الأولى منذ 1948 على الطاولة بملفه الخاص لا كملحق لصراع الآخرين، وهذه فرصة لا تُعوَّض شرط أن تُترجم النصوص القانونية إلى قوة سياسية تنفيذية على الأرض لا إلى أوراق تُستهلك على الطاولة.
لبنان لا يقف أمام خيار بين اتفاق جيد وآخر سيئ، بل بين اتفاق قابل للحياة وآخر محكوم بالسقوط. التاريخ واضح: الاتفاقات التي لا تستند إلى توازن داخلي تسقط، والاتفاقات التي تتجاهل الواقع تتحوّل إلى أزمات أكبر. ولبنان الذي دفع ثمن التجارب الفاشلة مراراً لا يحتمل تجربة جديدة من هذا النوع. وقبيل انطلاق المفاوضات أكد الرئيس اللبناني أن الدبلوماسية ليست استسلاماً وأن التفاوض ليس تنازلاً - وهو محق. لكن الطموح يجب أن يتجاوز وقف الحرب إلى سلام عادل يُعيد الأرض ويصون السيادة. فوقف الحرب ليس هدفاً بل شرط مسبق وأولوية لا تنازل عنها إذا ضاقت الخيارات - وما عدا ذلك لن يكون سوى هدنة هشّة تُخفي تحتها صراعاً مؤجلاً.