في ليلة مضطربة من ليالي الضاحية الجنوبية لبيروت، وبين دويّ الغارات الإسرائيلية وأعمدة الدخان المتصاعدة فوق الأبنية السكنية، وقعت حادثة قد تتحوّل إلى واحدة من أكثر القضايا الأمنية إثارة للجدل في لبنان خلال السنوات الأخيرة.
في تلك الليلة، تمكن رجل يُدعى خالد العايدة من الفرار من مبنى أمني كان محتجزاً فيه، ليشق طريقه سريعاً نحو السفارة الأوكرانية في بيروت، حيث انتهت رحلة هروبه، مؤقتاً، خلف جدران بعثة دبلوماسية تتمتع بالحصانة.
احتجاز غير رسمي وفرصة الهروب خلال الفوضى
لكن قصة هذا الرجل، الذي تتهمه تقارير إعلامية، وعلى رأسها الصحافي رضوان مرتضى، للاشتباه في ارتباطه بشبكة تجسس لصالح إسرائيل، لا تطرح فقط أسئلة حول هروب غامض، بل تكشف أيضاً شبكة معقدة من القضايا: من التجسس والحرب الاستخبارية، إلى الاحتجاز خارج مؤسسات الدولة، وصولاً إلى عقدة الحصانات الدبلوماسية.
بحسب معلومات متداولة في الأوساط الأمنية ووفقاً للتسريبات، بدأت القصة في الأشهر الأخيرة من عام 2025 عندما جرى توقيف خالد العايدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، في إطار تحقيقات مرتبطة بشبكة يُشتبه في تعاونها مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، ووفق روايات إعلامية، اُحتجز الرجل في مبنى أمني داخل الضاحية الجنوبية من قبل جهات حزبية، من دون إحالته إلى القضاء اللبناني أو تسليمه إلى الأجهزة الرسمية.
استهدفت غارة إسرائيلية المبنى في وقت سابق من آذار 2026 لإحداث فجوة فيه وليتمكن عملائها المحتجزين فيه من الخروج منه، وتسببت الغارة بخلل في الإجراءات الأمنية، ووسط الفوضى تمكن العايدة، وغيره، من الفرار من المكان. لكن وجهته التالية كانت غير متوقعة، فبعد هروبه، توجه مباشرة إلى السفارة الأوكرانية في بيروت، وفي رواية أخرى أنه تواصل مع السفارة وأبلغها بمكان وجوده حيث يختبئ، حيث حضرت سيارة تابعة للسفارة واصطحبته إلى مبناها، ووفرت له الحماية استناداً إلى كونه يحمل الجنسية الأوكرانية.
اللجوء إلى السفارة الأوكرانية: الحصانة والتعقيدات القانونية
بعد اعتقاله، أبلغت السفارة الأوكرانية عن اختفاء مواطن أوكراني وطلبت البحث عنه، وبعد لجوئه إلى السفارة، فيما بعد، عملت على التواصل مع المديرية العامة للأمن العام زاعمة أن مواطناً أوكرانياً لجأ إليها بعدما فقد أوراقه الثبوتية، وتحتاج السفارة إلى اصدار تسهيل سفر ومنحه جواز مرور (Laissez-passer) للمغادرة عبر المطار. وهذه الروايات، رغم تداولها على نطاق واسع، لم تؤكدها حتى الآن أي جهة رسمية بشكل كامل، ولم تصدر السفارة الأوكرانية أي بيان رسمي يوضح ملابسات القضية.
إشارة إلى أن وجود شخص مشتبه به داخل سفارة أجنبية يضع القضية في منطقة قانونية معقّدة. فبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، تتمتع السفارات بحصانة كاملة، ولا يمكن للسلطات المحلية دخولها أو تنفيذ إجراءات قضائية داخلها دون موافقة الدولة التي تمثلها. هذا الواقع يجعل أي محاولة لاستعادة العايدة مسألة دبلوماسية بقدر ما هي أمنية.
إضافة إلى ذلك، لا توجد اتفاقية تسليم مجرمين ثنائية بين لبنان وأوكرانيا، والقانون الأوكراني ينص أيضاً على أن المواطنين الأوكرانيين لا يُسلَّمون إلى دول أخرى للمحاكمة عن جرائم ارتكبوها خارج أوكرانيا.
القضية اكتسبت بُعداً دولياً بعد تداول تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال وجود ضغوط دبلوماسية لتسهيل خروج العايدة من لبنان. كما تداولت بعض التقارير الصحفية أخباراً تشير، دون تأكيد رسمي، إلى دور محتمل لمسؤولين أميركيين في بيروت في هذا الملف.
لم يصدر تعليق رسمي مفصل من حزب الله حول ملابسات احتجاز العايدة أو هروبه. غير أن نائب حزب الله محمود عمار قال بتاريخ 14 مارس/ آذار 2026، إن ما أقدمت عليه السفارة الأوكرانية في لبنان «من إخفاء مجرم عميل للموساد الإسرائيلي في أروقة سفارتها، ومحاولتها تأمين خروجه من لبنان رغم علمها بأنه مطلوب للقضاء اللبناني بمذكرات توقيف، لضلوعه في التخطيط والتنفيذ لعمليات في لبنان، إضافة إلى دوره في إدارة خلية خلال الحرب مع إسرائيل عام 2024»، ويشكّل سابقة خطيرة وفضيحة سياسية ودبلوماسية من العيار الثقيل، واستخفافاً بالسيادة اللبنانية، واستهتاراً بدماء اللبنانيين وأمنهم الوطني»، داعياً الدولة اللبنانية «بكل مؤسساتها المعنية، وخصوصاً وزارة الخارجية والمغتربين والأجهزة الأمنية والقضائية المختصة، بالتحرك الفوري والحازم لمنع تهريب هذا العميل».
في المقابل، ومع تصاعد الضجيج حول القضية، يبقى الصمت هو سيد الموقف في أروقة قصر بسترس (وزارة الخارجية)، التي تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه بين مقتضيات السيادة والالتزامات الدولية.
من هو خالد العايدة؟
تظل هوية خالد العايدة محاطة بالغموض، حيث تشير معلومات متداولة، غير مؤكدة رسمياً، إلى أنه فلسطيني الأصل ويحمل الجنسية السورية، كما يحمل الجنسية الأوكرانية، وهذا التعدد في الانتماءات زاد من تعقيد الملف وزاد من دائرة الشبهات حوله. وجدير بالذكر أنه لا يُوجد أي صورة شخصية مؤكدة له.
وتقول مصادر إعلامية إن اسمه برز في التحقيقات باعتباره أحد الأشخاص الذين يشتبه في ارتباطهم بشبكة تجسس تعمل داخل لبنان لصالح إسرائيل. غير أن القضاء اللبناني لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي يوضح وضعه القانوني أو يعلن توجيه اتهام رسمي بحقه.
بحسب روايات إعلامية متقاطعة، يشتبه في أن العايدة لعب دوراً محورياً في شبكة تعمل على جمع معلومات استخبارية عن مواقع مرتبطة بحزب الله. ضبط متلبساً بينما كان يحاول ركن دراجة نارية مفخخة بعبوة ناسفة في طريق المطار، لتنفجر لاحقاً. وتشير هذه الروايات إلى الاشتباه في تورطه في جمع معلومات دقيقة عن مواقع ومنشآت أمنية، إدارة شبكة اتصالات مع عناصر داخل لبنان، التخطيط لعمليات تفجير في الضاحية الجنوبية في ذكرى استشهاد السيد حسن نصر الله، ومحاولة زرع عبوات ناسفة، والتخطيط لاغتيال علي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني الأعلى، في مطار بيروت.
كما تتحدث بعض التقارير عن الاشتباه بوجوده في الضاحية الجنوبية يوم اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر/ أيلول 2024 وأن له دور في إرشاد الطيران الإسرائيلي، وأن توقيفه ساعد في كشف أسماء مشتبه في ارتباطهم بخلية جنّدها الموساد.
لكن هذه المعلومات لم تُعرض حتى الآن في إطار قضائي علني.
القضية لا تتعلق فقط بشبهة تجسس، بل أيضاً بمكان احتجاز العايدة بعد توقيفه. فبحسب أوساط مطلعة، لم يُسلَّم الرجل إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية، بل احتُجز في مبنى أمني تابع لحزب الله في الضاحية الجنوبية.
وتقول بعض المصادر إن أجهزة رسمية لبنانية طلبت تسلّمه خلال الأشهر الماضية لاستكمال التحقيقات، إلا أن ذلك لم يحدث. هذا المعطى يعيد إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان: مسألة وجود مراكز احتجاز خارج إطار الدولة. بالنسبة لمنتقدي هذا الواقع، يشكل ذلك انتهاكاً لسيادة القضاء. أما مؤيدوه، فيرون أنه جزء من منظومة أمنية نشأت في سياق الصراع الطويل مع إسرائيل.
أوكرانيا تعيش حرباً مع روسيا، وروسيا تتمتع بعلاقات قوية مع أطراف في محور المقاومة. لجوء العايدة للسفارة الأوكرانية تحديداً له دلالة سياسية أعمق من مجرد «جنسية»، فهل هو دلالة على تعاون استخباري (أوكراني - إسرائيلي)؟
أسئلة مفتوحة وقنبلة موقوتة
حتى الآن، لا توجد رواية رسمية مكتملة لما جرى في هذه القضية. لكن قصة هروب رجل متهم بالتجسس من مبنى أمني في الضاحية إلى داخل سفارة أجنبية تختصر في حد ذاتها مجموعة من الأسئلة العميقة التي تواجه الدولة اللبنانية:
• من يحتجز المشتبه فيهم؟
• ومن يدير التحقيقات في القضايا الأمنية الكبرى؟
• وماذا يحدث عندما تتقاطع هذه الملفات مع الحصانات الدبلوماسية؟
في انتظار الإجابات، تبقى قضية خالد العايدة مفتوحة، بين روايات متضاربة، وصمت رسمي، وأسئلة سيادية لم تُحسم بعد، وقلق من تكرار حالة تهريب العميل عامر الفاخوري.
بين حصانة الجدران الدبلوماسية وغياب التنسيق الأمني الرسمي، يظل ملف العايدة «قنبلة موقوتة» تهدد التوازن الهش بين سلطة الدولة ومراكز القوى الأخرى.