لبنان لا يرى جدوى من استمرار المفاوضات إذا لم يتوقف العدوان
كتب عمر البردان في "اللواء" :
بانتظار عقد جولتي المفاوضات الأمنية والسياسية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، آخر الجاري ومطلع الشهر المقبل، فإن عودة التواصل بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، في حمأة التطورات المتصلة بملف التفاوض، شكلت حدثاً على قدر كبير من الأهمية، بالنظر إلى ما يمكن أن ينتج عن هذه العودة، على صعيد توضيح المواقف الداخلية من هذا الملف الذي يستحوذ على اهتمام اللبنانيين في لحظة مفصلية من تاريخ البلد . وترى أوساط سياسية، أن مبادرة "الحزب" إلى التوصل مجدداً مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، أمر في غاية الأهمية من شأنه أن يفتح أبواب الحوار بين الطرفين حول مختلف القضايا، وفي مقدمها موضوع المفاوضات مع إسرائيل، في ظل استمرار "حزب الله" في حملته الرافضة لأي مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي. وكذلك الأمر من شأن العودة إلى سلوك طريق التحاور، التخفيف من حدة التوتر السياسي القائم، وما يمكن لرئيس المجلس النيابي نبيه بري أن يقوم به على صعيد تقريب وجهات النظر بين حليفه والرئاسة الأولى، خاصة إذا ما نجح لبنان في إرغام إسرائيل على الالتزام بوقف إطلاق النار .
وفي الوقت الذي ليس مستبعداً أن تخرج جولتا المفاوضات بما يمكن تسميته ب"إعلان نوايا" بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، فإن هذا الأمر مرهون برأي الأوساط السياسية، بقدرة الراعي الأميركي على الضغط على حليفه الإسرائيلي، للالتزام بوقف النار، باعتبار أن هذا الأمر يشكل مطلب لبنان الأول المطروح في كل جولة من جولات التفاوض، على أن يلي ذلك، إقرار إسرائيل بالموافقة على الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة في الجنوب، وعودة النازحين اللبنانيين إليها وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، ثم التشاور حول ترسيم الحدود البرية. لكن بدا من خلال جولات المفاوضات الماضية، أن أولويات الجانب الإسرائيلي تبدو مختلفة كلياً، وبالتالي فإن هناك هوة عميقة لا زالت تفصل بين وجهتي النظر اللبنانية والإسرائيلية، في ما يتصل بجدول أعمال المفاوضات، سيما وأن المطلب الأول لإسرائيل يشدد على ضرورة الحصول من لبنان على مواعيد محددة لنزع سلاح "حزب الله" قبل البحث بأي أمر آخر . وهذا الموضوع يعتبره لبنان شأناً داخلياً، سيجد حلاً له من خلال جولات الحوار الوطني التي سيدعو إليه رئيس الجمهورية، للتوافق على الاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان .
وفي حين يقر المسؤولون اللبنانيون بصعوبة المسار التفاوضي مع الجانب الإسرائيلي، فإن بيروت، وفقاً لما تقوله الأوساط نفسها، تبدو أكثر إصراراً على التمسك بقرار مفاوضة إسرائيل لوحدها، باعتبار أن إيران ومعها "حزب الله" الذي بات على قناعة أن الدولة اللبنانية قد حزمت أمرها بما يتصل بالمفاوضات ، يحاولان بشتى الوسائل العمل على إبقاء الملف اللبناني ورقة على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو موقف واضح يتبناه "الثنائي" في مواجهة قرار الحكومة اللبنانية الحازم، ألا يفاوض أحد، لا إيران ولا غيرها على حسابها . ومن هنا فإن بيروت أبلغت من يعنيهم الأمر، وفق معلومات الأوساط السياسية، أنها لا يمكن أن تقبل أن تكون جزءاً من المفاوضات بين الأميركيين والإيرانيين . ولهذا الأمر، فإن المسؤولين اللبنانيين أبلغوا السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، أن هناك قراراً لبنانياً على أعلى المستويات، بأن لا جدوى من استمرار المفاوضات مع إسرائيل إذا لم تستجب لطلب لبنان وقف إطلاق النار والإعلان الواضح عن الانسحاب من المناطق الجنوبية المحتلة بشكل لا لبس فيه، سيما وأن لبنان ينتظر من واشنطن أن تضطلع بدورها كوسيط نزيه، لناحية الضغط على إسرائيل لتثبيت اتفاق وقف للنار في لبنان.
وفي ظل التصعيد الممنهج الذي يقوم به "حزب الله" الرافض وبشدة للمفاوضات المباشرة، فإن ما تسرب من معلومات بهذا الشأن، يشير بكثير من الوضوح، أن إيران وحلفاءها وضعوا هدفاً أساسياً لكل ما يقومون به، وهو السعي بكافة الوسائل لعرقلة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وصولاً إلى إسقاطها نهائياً . وما قرار "الحزب" بالتصعيد الميداني المتدرج على جبهة الجنوب، سوى الدليل الذي يؤكد صحة هذا التوجه، توازياً مع إطلاق إيران التهديدات في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، حيث بدا أن الهدنة القائمة في الخليج بدأت تترنح، ما يؤشر إلى إمكانية العودة إلى الأعمال العسكرية، الأمر الذي من شأنه أن يجعل مصير المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، في حال اشتعال جبهة لبنان في مهب الريح، وهو ما يريده "حزب الله" ويسعى من أجله بكافة الوسائل، سواء السياسية أو العسكرية . والأخطر ما صدر عن نائب "حزب الله" حسن فضل الله الذي حذر من أي توجه أميركي لتشكيل مجموعات من عناصر الجيش اللبناني، هدفها نزع سلاح الحزب، مهدداً بأن الأخير سيواجهها، كما يواجه الجيش الإسرائيلي في الجنوب .