بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 أيار 2026 12:10ص الجيوسياسية التركية - القطرية وإعادة هندسة التوازن الإقليمي: توليفة الأمن البحري والوساطة الاستراتيجية

حجم الخط
إن المسار المعاصر للسياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط قد تطور من مجرد إدارة أزمات رد فعلية إلى فلسفة استباقية متطورة تهدف إلى تحصين الأمن القومي من تقلّبات الجغرافيا المحيطة بها. وهذا التحوّل الاستراتيجي متجذّر بعمق في تفسير حديث لعقيدة «العمق الاستراتيجي»، التي تعمل الآن كآلية لاستقرار الشرايين البحرية الإقليمية ومواجهة المشاريع التوسعية الإسرائيلية التي تهدّد النظام القائم.
تُعدّ البعثة الدبلوماسية الأخيرة لوزير الخارجية هاكان فيدان إلى الدوحة بمثابة تجسيد نهائي لهذه الرؤية، حيث تشير إلى بزوغ «محور استقرار» يمنح الأولوية للدبلوماسية النشيطة على التموضع العسكري التقليدي. إن التآزر بين أنقرة والدوحة يمثل إعادة معايرة دقيقة لديناميكيات القوة الإقليمية؛ فمن خلال دمج الثقل المالي والدبلوماسي الكبير لقطر مع القدرة العسكرية التركية والبراعة الفنية في إدارة الممرات البحرية والتي تجلّت بوضوح في نجاح مبادرات ممرات الحبوب السابقة يطرح البلدان نفسهما كمهندسين للاكتفاء الذاتي الإقليمي.
هذا الحراك الذي توّج بزيارة هاكان فيدان للدوحة، يجسّد نموذجاً متطوراً من «الدبلوماسية متعددة المسارات». فبينما تعمل الدوحة كقناة سيادية موثوقة قادرة على ترجمة «المقتضيات الإيرانية» إلى إطار براغماتي مقبول لدى الإدارة الأميركية، كما ظهر في المشاورات الأخيرة لرئيس الوزراء وزير الخارجية القطرية في واشنطن مع نائب الرئيس جي دي فانس، توفر أنقرة الثقل الجيوسياسي والنفوذ الإقليمي اللازم للعمل كضامن استراتيجي. إن هذا التآزر المؤسسي بين القطبين التركي والقطري يظهر قدرة استثنائية على التنقل في الفراغات الدبلوماسية، وتحويل الهدنة الهشّة إلى عملية سياسية مستدامة عبر الاستفادة من روابطهما الاستراتيجية مع واشنطن وسياسة «الانخراط البناء» تجاه طهران.

التجربة التركية في إدارة المضائق: من «مونترو» إلى «هرمز»

تستمدّ أنقرة قدرتها الفنية والسياسية في طرح حلول لأمن الممرات المائية من تجربتها التاريخية والسيادية في إدارة مضيقي «البوسفور» و«الدردنيل» وفقاً لاتفاقية «مونترو» لعام 1936. هذه الخبرة الطويلة في الموازنة بين متطلبات الأمن القومي والحرية الملاحية الدولية تمنح أنقرة مشروعية فريدة لتقديم مقترحات تقنية وإجرائية تهدف إلى خفض التصعيد في المضائق الدولية الأخرى. وبدلاً من منطق «الوصاية العسكرية» الأجنبية، حيث تطرح تركيا نموذجاً يعتمد على «الشراكة الإقليمية»، مستلهمة نجاحها في الحفاظ على استقرار حركة التجارة العالمية عبر مضائقها الوطنية كضمانة لاستدامة الملاحة الإقليمية.
تسعى هذه الشراكة إلى تقديم حلول فنية لخفض التصعيد تهدف إلى أمن المضائق الدولية، وحماية هذه الممرات المائية الحيوية من الآثار الضارة للاستقطاب العالمي. ويظل الالتزام الصارم بحدود عام 1967 حجر الزاوية في هذا التنسيق، كشرط غير قابل للتفاوض لأي تسوية إقليمية مستدامة وحاجز ضروري ضد الطموحات التوسعية الإسرائيلية التي سرح بها فيدان على هامش زيارته للدوحة.
من منظور أمني، تحدّد أنقرة زعزعة الاستقرار المحتملة للدول المجاورة، وخاصة إيران، كخطر وجودي أساسي. ويعمل المخططون الاستراتيجيون الأتراك بناءً على قناعة بأن أي فراغا أمنيا أو تأكلا للدولة في الشرق من شأنه أن يمكّن الحركات الانفصالية عن غير قصد، ويوفر لها البيئة اللازمة لإحياء أجندات التقسيم. وبالنسبة لانقرة، يظل منع نشوء مثل هذه الكيانات على طول حدودها «خطاً أحمر» استراتيجياً بامتياز.
وفي هذا السياق، يعمل المحور التركي - القطري كحافز أساسي لفصل أمن الملاحة في مضيق هرمز عن النزاعات الأيديولوجية العميقة، مما يوفر الزخم اللازم لمنع الانهيار العسكري الشامل. علاوة على ذلك، يظل تهديد التداعيات المعقّدة لملف اللاجئين عاملاً حاسماً؛ إذ إن أي توسّعا في الصراع الإقليمي يهدّد بإثارة موجة ديموغرافية جديدة من شأنها أن تفرض ضغوطاً اقتصادية واجتماعية غير مستدامة على الدولة التركية.
كما يؤكد البُعد الجيو-اقتصادي مصلحة تركيا الراسخة في الهدوء الإقليمي؛ فباعتبارها جاراً مباشراً لإيران، فإن البنية التحتية للطاقة في تركيا متشابكة بعمق مع استقرار طهران، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الغاز والكهرباء. وبالتالي، فإن أي تصعيدا عسكريا يعطّل هذه التدفقات سيؤدي على الأرجح إلى انكماش قسري في الاقتصاد التركي.
وردّاً على ذلك، تستخدم أنقرة موقعها الفريد داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) للدعوة إلى «الشراكة الإقليمية» كبديل لـ «الوصاية العسكرية»، محتجة بأن أمن طرق التجارة العالمية يتم الحفاظ عليه بشكل أفضل من خلال التعاون المحلي بدلاً من التدخّل العسكري الأجنبي. وتستند هذه البنية الدبلوماسية إلى نظريات تفاوض صارمة، وتحديداً تحديد «منطقة الاتفاق المحتمل» (ZOPA) التي توازن بين الحرية البحرية الدولية والحقوق السيادية لدول المنطقة. ومن خلال صياغة «أفضل بديل لاتفاق متفاوض عليه» (BATNA) واضح وهو في هذا السياق احتمال حدوث فوضى إقليمية شاملة تنجح أنقرة في تحفيز أصحاب المصلحة نحو تسويات عملية.
وسواء من خلال المقترحات الفنية لإزالة الألغام أو المراقبة متعددة الأطراف، يؤكد النهج التركي أن «الكتلة الإقليمية» التي تضم تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر تقف كسد منيع ضد تفتيت الشرق الأوسط. وفي نهاية المطاف، فإن الزخم الدبلوماسي التركي القطري الحالي يمثل حقبة تحولية حيث تستعاد السيادة الإقليمية، مع التأكيد على أن الأزمات الإقليمية لا يمكن حلها إلا من خلال حلول إقليمية.

{ المراجع:
 وزارة الخارجية التركية (2026). التقارير الدبلوماسية والإيجازات المهمة الاستراتيجية للوزير هاكان فيدان إلى الدوحة. أنقرة: دائرة الاتصالات الإقليمية.
معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) (2025). أمن الطاقة والمضائق البحرية. باريس: منشورات IRIS.
مركز السياسات الدولية، جامعة أنقرة (2026). ترابط صراعات الحدود والحركات الانفصالية والهجرة القسرية. أنقرة: مطبعة الجامعة.
الأرشيف القانوني الدولي (2024). اتفاقية مونترو التطور والتطبيق في قانون البحار في القرن الحادي والعشرين. جنيف: مراجعة القانون الدولي.
أمانة التنسيق الإقليمي (2026). مخرجات وبيانات القمم التشاورية تركيا ومجلس التعاون الخليجي ومصر. الرياض/ القاهرة: مكتب التعاون الإقليمي.

* باحثة وأكاديمية