فاروق غانم خداج*
ليست الألقاب ما يصنع المدن... بل الإنسان
كلما مرّ لبناني قرب مبنى مهجور تنبت من شرفته أعشاب صغيرة، أو لمح واجهة سينما قديمة أطفأت الحرب أضوائها منذ عقود، عاد السؤال ذاته ليطفو من بين الركام والذاكرة: هل يمكن أن تعود بيروت «باريس الشرق»؟
ليس هذا السؤال مجرد حنين عاطفي إلى زمن مضى، بل محاولة لفهم كيف استطاعت مدينة صغيرة على المتوسط أن تتحوّل يوماً إلى مركز ثقافي وفكري واقتصادي للعالم العربي، قبل أن تتراكم عليها الحروب والانقسامات والأزمات حتى بدا وكأنها تفقد ملامحها شيئاً فشيئاً.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في غياب اللقب، بل في ضياع المعنى الذي صنعه. فالألقاب لا تبني المدن، والواجهات الجميلة لا تكفي لصناعة الحضارة. وحده الإنسان القادر على التفكير والإبداع والعيش بحرية يستطيع أن يمنح المدينة روحها.
في زمن ازدهارها، لم تكن بيروت مجرد مقصد سياحي أو مدينة فنادق ومقاهٍ. كانت مساحة حرية عربية نادرة. فيها ازدهرت الصحافة، وكبرت دور النشر، وتحوّلت الجامعات إلى مصانع للأفكار لا مجرد مؤسسات تعليمية. كان الطالب العربي يأتي إليها بحثاً عن المعرفة، والكاتب يقصدها ليطبع كتابه، والصحافي يراها مساحة أوسع للتعبير. لم يكن لقب «باريس الشرق» وليد العمران وحده، بل نتيجة أسلوب حياة كامل يقوم على التنوّع والانفتاح والجرأة الثقافية.
وكانت تلك الحيوية مرتبطة بطبقة وسطى ثقافية شكّلت العمود الفقري للمدينة. أطباء وأساتذة ومعلمون وكتّاب وصحافيون وموظفون آمنوا بأن التعليم والثقافة يمكن أن يصنعا مجتمعاً أكثر مدنية. ومن رحم تلك البيئة خرجت أسماء تركت أثرها في الوجدان العربي، مثل فيروز والأخوان رحباني، اللذين تحوّلت أعمالهما إلى صورة فنية عن لبنان الحالم والمتصالح مع ذاته.
من الحرب إلى الانهيار... كيف تراجع الحلم؟
لكن المدن، مهما بلغت من التألق، ليست محصنة ضد السقوط. جاءت الحرب الأهلية لتضرب بيروت في عمقها، لا عبر تدمير الأبنية فقط، بل عبر تحويل فكرة العيش المشترك نفسها إلى ساحة خوف وانقسام. المدينة التي كانت مساحة لقاء أصبحت خطوط تماس، والثقافة التي جمعت الناس تراجعت أمام لغة السلاح والطوائف.
ومع انتهاء الحرب، ظنّ كثيرون أن إعادة إعمار الحجر تكفي لإعادة بناء الروح. عادت الأبراج والمراكز التجارية والمطاعم، لكن المدينة كانت تخسر شيئاً أكثر أهمية: ناسها. فحين تهاجر الطبقة الوسطى، ويتراجع التعليم، وتغرق الدولة في الفساد والمحاصصة، تصبح المدن مجرد هياكل جميلة بلا حياة حقيقية.
ولم يكن الانهيار المالي سوى تتويج طويل لعقود من سوء الإدارة السياسية والاقتصادية. بدا وكأن طبقة كاملة من المسؤولين تعاملت مع الدولة كغنيمة مؤقتة لا كمشروع وطن. ومع انفجار مرفأ بيروت، شعر كثيرون أن المدينة تُترك وحيدة في مواجهة وجع يفوق قدرة الناس على الاحتمال، وأن الدولة نفسها تغيب حتى في لحظة الكارثة الجماعية.
لكن بيروت اليوم ليست فقط مدينة الجراح والانهيارات. هي أيضاً مدينة التناقضات الحادة: معرض فني بجوار مبنى آيل للسقوط، وشاب يحلم بالهجرة يناقش الشعر والسياسة في مقهى صغير، ومسرح مستقل يحاول الاستمرار وسط العتمة وأصوات المولدات الكهربائية. هذه الفوضى نفسها قد تتحول إلى مادة خام لولادة جديدة إذا عرف اللبنانيون كيف يحولون الألم إلى مشروع نهوض بدل التعايش الدائم مع الانهيار.
وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الجيل الجديد لم يعش بيروت الستينات أصلاً. هو يعرفها من الصور القديمة وأغاني فيروز فقط، لكنه يعيش مدينة مختلفة تماماً: بطالة، هجرة، خوف من المستقبل، وتراجع مستمر في الخدمات. ومع ذلك، لا تزال هناك مبادرات شبابية وثقافية صغيرة ترفض الاستسلام، وكأنها تحاول الدفاع عن حقها في مدينة قابلة للحياة.
حتى المغترب اللبناني، الذي حمل بيروت معه إلى العالم، ما يزال يرى فيها أكثر من مدينة منهكة. كثيرون ممن غادروها يحتفظون بصورة داخلية عنها لا تموت بسهولة، وربما يكون ارتباطهم الثقافي والاقتصادي بها أحد مفاتيح النهوض الممكن، إذا وُجد مشروع حقيقي يستعيد ثقة الناس بالدولة والمؤسسات.
أيّ بيروت نريد؟
السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف نعيد لقب «باريس الشرق»، بل كيف نبني مدينة تمنح أبنائها سبباً للبقاء فيها. فلا يكفي ترميم الواجهات أو تزيين الشوارع إذا بقي الشباب يشعر أن مستقبله موجود في الخارج فقط.
إعادة بيروت تبدأ من حماية التعليم والجامعة والمدرسة الرسمية، ومن إعادة الثقافة إلى قلب الحياة اليومية لا إلى هامشها. تبدأ من قضاء عادل، وإدارة شفافة، ودولة ترى في الإنسان قيمة لا رقماً انتخابياً. كما تبدأ من دعم المبادرات الثقافية والفنية الصغيرة التي ما تزال تحافظ على نبض المدينة رغم كل شيء.
قد لا تعود بيروت كما كانت في الماضي، وربما لا تحتاج إلى ذلك أصلاً. فالمدن الحيّة لا تعيش داخل المتاحف، بل تتجدّد باستمرار. لكن بإمكانها أن تستعيد شيئاً أهم من الألقاب: ثقة الإنسان بها.
بيروت اليوم تشبه آلة موسيقية قديمة صامتة، لكنها ليست مكسورة. تحتاج فقط إلى من يعيد توتير أوتارها بكرامة وحرية وعدالة، لا إلى من يبحث لها عن لحن مستورد. فبيروت لا تحتاج إلى «باريس جديدة»، بل إلى لبنانيين يؤمنون أن المدن العظيمة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالإنسان القادر على الحلم رغم كل الخراب.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني