نادي الكبار
بُعيد إنتهاء عصر القطبين الروسي- الأميركي، ومعه الحرب الباردة وسقوط البلشفية ومعها الإتحاد السوفياتي والمنظومة الدولية التابعة له، وكذلك تهاوي حلف وارسو، وضياع دول عدم الإنحياز، ومعها حلف دول البريكست، كان لا بد أن يملأ هذا الفراغ السياسي الإستراتيجي، والجيوسياسي، بأحلاف أخرى وبقوى أخرى، وبدول أخرى، فكان محور الممانعة ومحور المقاومة. وكانت أيضا، مجموعة الدول المناهضة للسياسة الأميركية والتي تحمل عين البغض لها.
ومع إنشغال الروس في الحرب على أوكرانيا، وإمتدادها من عام لعام، بل لأعوام أيضا، برزت إيران إلى الساحات الدولية. أنشأت حولها مجموعة من الأذرع التي تأتمر بأمرها وإنضمت إلى دول الممانعة، وإتخذت فيها حيزا لها. وأنشأت لها هدفا إستراتيجيا، فرفعت شعار تحرير القدس وبنت فيلق القدس. وأوحت بتأسيس محور المقاومة، وأبرمت له عهودا مع المنظمات والميليشيات، جعلتها تحت إبطها، ونادت على تحرير القدس ومحاربة إسرائيل. وكان ذلك الشعار جاذبا، فتكوكب حولها عدد جم من الدول، ومن المنظمات ومن الميليشيات ومن الحكومات ومن الزعامات والقيادت، وأغدقت عليهم بالمال والسلاح والرجال، بحيث أشعرها ذلك بنمو قوة عظمى حولها، تستطيع أن تكون ندا لأمريكا. وإندفعت في بناء إستراتيجيتها، على مهل. ضحت بما في يدها، لأجل دخول نادي الكبار الذي ينادي عليها.
إلتزمت إيران قيادة الناقمين والمعارضين والمتألبين وأصحاب الأغراض من أميركا، وهم كثر في العالم. وصارت تنتقل من صف إلى صف، ومن درجة إلى درجة، من خلال المعارضة والمشاكسة، لأمريكا ودورها. ووجدت في ذلك محازبين ومؤيدين كثرا، بعدما شهرت أميركا موقفا مؤيدا لإسرائيل. وجارتها في سياستها التوسعية على حساب الدول المحيطة بها.
كانت الولايات المتحدة تستشعر يوما بعد يوم، تعاظم النفوذ الإيراني في الإقليم وفي العالم. فوجدت في إسرائيل ضالتها. وإستطاعت أن تورطها في حرب معها. فبانت قدرة إيران السياسية والعسكرية، وإنغمست في مقارعة إسرائيل، حتى نالت الشهادات العالية، بوصفها دولة حرة، كارهة للظلم والظالمين. وأنها لن تخشى في موقفها هذا، من مقارعة أميركا نفسها.
الحملات الإسرائيلية كما الحملات الأميركية على إيران، والتي جرت في العامين الأخيرين، زادت هذة الأخيرة قوة ولم تضعفها، في ثباتها وفي سياستها. لأن أيران تريد أن تدخل نادي الكبار. فكيف يتحقق لها ذلك، إذا ما إحتلت مكانتها بالقوة.
لا شيء يضعف إيران، بعد الذي جرى لها: من قتل المرشد وتشويه خليفته. ومن قتل مجموعة عظمى من قادتها.
لا شيء يضعف إيران، بعد الحملة لتقطيع أذرعها. في لبنان وفي سوريا وفي العراق وفي اليمن. فهذا كله يصب في رصيدها، حتى عند خصومها. لأن أيران لا أعداء لها، بإعتراف الرئيس دونالد ترمب نفسه. ونادي الكبار يمكن أن يضم المتجانسين والمتخاصمين. وأما إيران فلا يهمها من الأمر كله، إلا إن تظل، تماما كما تعتبر نفسها، أمبراطورية عظمى.
نادي الكبار إتسع لإيران، بفضل ثباتها. وبفضل بذلها و تضحياتها. وكذلك بفضل أذرعها الذين وفوا لها، و أقسموا ألا يتخلوا عنها. ويجب على إسرائيل أن تقلل من خصومتها. ويجب على أميركا أن تقلل من غلوائها. فمهما طالت الحرب على إيران، سوف لن تتخلى عن مضيق «هرمز»، ولا عن «المفاعل النووي»، لأنهما شرطان أساسيان لدخول نادي الكبار. وأما الباقي فهو من التفاصيل، القابلة للنقاش، وللأخذ والرد. والمعنى... عند أميركا نفسها: العودة إلى سرية المفاوضات، لا إلى صورتها العلنية.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية






