لن أنسى ذلك الشعار الذي رُفع يوماً: «السابع من أيار 2008 يومٌ مجيد في لبنان». يومٌ وُصف ما جرى فيه بأنه انتصارٌ «للمقاومة الباسلة» على «عدوٍّ غاشم» في «مستوطنة بيروت»، في قلب العاصمة وبين أهلها.
ومنذ ذلك الحين، لم يغب هذا الخطاب الاستعلائي عن المشهد. تبدّلت الأساليب وتطوّرت الأدوات، لكن الذهنية بقيت ثابتة، تُستحضر كلما دعت الحاجة لشدّ العصب أو فرض الأمر الواقع. ومع عودة نبرة التخوين والتهديد مؤخراً إلى الواجهة، يبرز سؤالٌ مقلق: هل نحن أمام نسخةٍ جديدة ومُنقّحة من «7 أيار»؟
انتظرت بيروت طويلاً اعتذاراً، أو حتى إشارة لياقة تجاه أهلها عمّا جرى عام 2008؛ لكن ما حدث كان العكس تماماً. فبدلاً من المراجعة أو الاعتراف بالخطأ، طُلب من الضحية أن تعتذر، وأن تستغفر، وأن تعلن التوبة. وكأن القاعدة التي فُرضت تقول: «يُرضى القتيل، بينما لا يرضى القاتل».
كيف يمكن أن نُقنع أمهات الضحايا وأهاليهم بأن ما جرى كان «يوماً مجيداً»؟ وكيف يُبرر ترويع الناس، واستباحة البيوت، وانتهاك الكرامات؟ إن ذلك اليوم لم يكن نصراً، بل كان انكساراً لفكرة العيش المشترك، وشرخاً عميقاً في الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
لو أن الذاكرة الجماعية كانت أكثر يقظة، ولو أن دروس التاريخ قُرئت بمسؤولية، وتحديداً ما جرى في 6 شباط 1984، لربما كان بالإمكان تفادي تلك النكبة الوطنية في أيار 2008.
إن بيروت ليست مدينة خيانة، ولم يكن أهلها يوماً عملاء. هذه المدينة دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن لبنان بكل أطيافه، وحملت على عاتقها وزر الأزمات الوطنية الكبرى، فكان جزاؤها أن تُطعن في عقر دارها.
بيروت ليست ضعيفة، وهي أيضاً ليست ساحة مستباحة. وأهلها، مهما طال صبرهم وغلّبوا منطق السلم الأهلي، لن يقبلوا بأن يُعاد إنتاج ذلك اليوم، لا بالشعارات ولا بالممارسات.
لذا... حذارِ من نفاد صبر الحليم، فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطائه. ومن استُبيحت كرامته لا يظل ساكتاً إلى الأبد.