بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الأول 2025 12:00ص وفاة جميل ملك... رفيق الدرب في النضال شريك الصوت والموقف ثابت في الصفوف الأولى حيث كان الحق

حجم الخط
كان جميل ملك رحمه الله صديقَ طفولتي ورفيقَ المدرسة منذ أن كُنّا في الرابعة عشرة من العمر، وكان حضوره في حياتي رصيداً من الذكريات التي شكّلت شخصيتي وعزّزت قِيَم الوفاء والصدق في قلبي، فكل لحظة معه كانت درساً في الحياة، وكل حديث يصقله بالعلم والمعرفة والأخلاق الرفيعة.
لم يكن حضوره في حياتي عابراً، بل كان ثابتاً كالقيم التي آمن بها ومشى عليها حتى آخر أيامه، فكل موقف منه كان درساً حيًّا في الأمانة والنبل، وكل كلمة منه كانت مرشدة نحو الخير والحق، وكانت مبادراته دائماً تعكس التزامه العميق بالقيم العليا والمسؤولية تجاه من حوله.
وكان أيضاً رفيق الدرب في النضال، شريكاً في الصَّوت والموقف، لا يتأخر عندما يُنادى الحق ولا يتراجع حين يشتدّ الطريق. وكان وقوفنا معاً في ساحات النضال دليلاً على ثباته والتزامه بما يؤمن به دون تردّد. وقد ظهر ذلك جليًّا في حضوره في كل تحرّك وموقف، حيث لم يعرف التخاذل ولا الحياد. وكان وفاؤه للقضية لا يقلّ صدقاً عن وفائه للصداقة، فجمع بين الصديق والمناضل في شخصية واحدة. كان حاضراً في الصفوف الأولى، ثابت الخطى، يعرف أن النضال موقف قبل أن يكون هتافاً. كان وجوده في ساحات الاحتجاج امتداداً طبيعياً لإيمانه بالعروبة ولحلمه بوطن حرّ كريم. قد تجلّت هذه الشجاعة في وقوفه على خطّ النضال، مؤمناً بأن الكلمة الحرّة فعل، وبأن الصمت خذلان.
عرفته إنساناً صادقاً لا يساوم على الحق، وكانت مواقفه دائماً صافية وواضحة، لا يلتفت للمظاهر الزائفة، بل يسعى دوماً للعدل والحق بلا تردد، وكان هذا الصدق أساساً في كل علاقاته، سواء في العمل أو الصداقة أو حياته الوطنية.
مخلصاً لا يعرف الخذلان، وكان وفاؤه للصداقات مثالاً حيّاً على الإخلاص، فلا عهد معه إلّا وتمسّك به، ولا وعد إلّا وفّاه، وكان أيضاً مخلصاً لوطنه، لا يتوانى عن دعم كل ما يخدم وطنه وأمته، رجلٌ وطنيّ صادق وأمين بكل معنى الكلمة.
نقيَّ السريرة، واضحَ الوجهة، لا يتصنّع ولا يتلوّن، فكل تصرفاته تنبع من قلبه الصادق، وكان يترك أثر الطمأنينة في كل من حوله، ومع ذلك كان نشيطاً وهامًّا، صاحب همّة عالية ومواقف لا يحيد عنها، يملأ المكان حضوراً وعطاءً وإلهاماً.
كان عروبيًّا أصيلاً في فكره، وانتمائه، وموقفه، يحمل في داخله حب الأرض والهوية، ويجعل من كل حديث عن الأمة درساً في الوفاء والانتماء الحقيقي، وكان يحب القائد جمال عبد الناصر بكل تقدير واحترام، ويعشق بيروت بروحها وتاريخها، متأثّراً بعمق بالثقافة العربية وبقضاياها.
يحمل همّ أمّته بوعيٍ ومسؤولية، لا بشعاراتٍ جوفاء، بل بخطوات عملية وأفعال ملموسة، ليكون قدوة لكل من يعرفه، ومثالاً للشجاعة والمبادرة الصادقة، وكان أيضاً مبدعاً في عمله، يسعى دائماً لتقديم الأفضل، يجمع بين النشاط العملي والقدرة على الابتكار والالتزام بالقيم المهنية.
تزيَّن بسموّ الأخلاق قبل أيّ صفةٍ أخرى؛ متواضعاً في حضوره، ولا يرفع صوته على من هم أضعف، ولا يتباهى بما يمتلك، بل كان دائماً رمزاً للتواضع والكرم الحقيقي، ومثل أعلى في كل تصرفاته، يجمع بين القوة الأخلاقية واللين في التعامل، ويزرع الاحترام في كل من حوله.
كريماً في تعامله، رفيعاً في خُلُقه، لا يؤذي قولاً ولا فعلاً، وكانت روحه تنبع بالحب والصفاء، تجعل كل لقاء معه لحظةً مميّزة في حياة من حوله، ومع كل ذلك، كان دائم الحماس، صاحب نشاط متجدّد، يزرع الإيجابية في كل مكان يمرُّ به.
يترك في القلوب أثر الطمأنينة والاحترام، فحتى بعد رحيله، يستمر صدى حضوره في الذكريات، وتظل أخلاقه منارةً لكل من عرفه، فذكراه تعلّمنا كيف نكون صادقين وأوفياء لوطننا ولأصدقائنا ولحياتنا اليومية.
برحيله، فقدنا إنساناً نادراً، لكن إرثه من القيم والأثر الطيب سيبقى حيًا فينا، يعلّمنا كيف نعيش بصدق ووفاء، وسيظل مثالاً حيّاً لمن يريد أن يعرف معنى الوفاء، الصدق، والوطنية الحقيقية.
لكن قيمه بقيت شاهدة عليه، وذكراه ستظلّ حيّة فينا، لأن أمثالَه لا يموتون، بل يستمرون في حياتنا اليومية من خلال ما زرعوه من خير وأخلاق نبيلة، فهو الذي جمع بين حب الوطن، حب الصداقة، والالتزام الشخصي بالأخلاق العالية، ليترك أثراً خالداً في القلوب.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل صدقه وإخلاصه في ميزان حسناته، وجعل مثواه الجنة، حيث لا ألم ولا فراق، ليظل قدوة لكل من يعرفه في حياتهم ويستلهمون منه الدروس القيّمة، وسيبقى اسمه جميلاً كما كان اسمه في الحياة: رمزاً للنبل، للإخلاص، ولحب الوطن والأمة.

* أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)