في آخر مقالة نقدية كتبتها وكانت عن المسلسل السوري «فوضى» الجريء جداً في تعاطيه مع الوقائع والأحداث الأليمة، إجتماعياً وسياسياً وامنياً، وحيث انقلبت كل المفاهيم والأوضاع في سوريا منذ العام 2011، قطعت عهداً على نفسي بأن استعرض بقية الدراما السورية التي نهلت من مسار نبع «فوضى» وإنما برؤية مختلفة، وان كانت تصب في مجرى «كشف المستور» ذاته، وحددت بالإسم مسلسلي «مذكرات عشيقة سابقة» و«الغريب»... وها انا اليوم اتناول بالعرض - النقد، المسلسل الأول على ان استتبع في القادم من الأيام، وأعرض الثاني..
«مذكرات عشيقة سابقة» يروي قصة تفاعل وصراع بين الحب والنفوذ، القوة والخيانة والضعف، ويتطرق إلى العديد من المواضيع الاجتماعية - السياسية - الأمنية المتنوعة المستوى، والتي تتحكم بمسار حياة مجتمع هو صورة مصغرة عن واقع حياة شعب، وحيث الأحداث تدور حول «عابد الصراف» (وهي شخصية محورية ومركزية) المحامي الماهر والشهير الذي تزوج من الفنانة النجمة «ديانا» قبل اندلاع الحرب في سوريا، وانجبا طفلة وحيدة.. وبمرور الأشهر على هذه الحرب اللعينة، بدأت قيم الكثيرين بالتآكل، وبالتالي، أخذت حياة هذا المحامي منحى مختلفاً، بعدما تحول إلى «سمسار» يعمل على إطلاق المخطوفين المهددين بالقتل، في مقابل مبالغ نقدية طائلة يتقاضى جزءاً منها على سبيل الأتعاب، وهو، تسهيلاً لعملياته القذرة، نجح في بناء شبكة كبيرة من العلاقات العامة مع أصحاب نفوذ يستفيدون بدورهم من المهام التي يتولاها، ولتبدأ بالتالي، حياته العائلية بالتفكك، على الرغم من كل سُبُل الحماية والرعاية التي وفرها لزوجته ولإبنته الطفلة، ولكن سيبرز للزوجة الفنانة عشيق، متزوج وأب لطفل، وهذا العشيق ليس سوى «كوافير» النجمة الممثلة، ويدعى «باسل» (الممثل طوني عيسى) الذي يتشاجر بشكل مستمر مع زوجته «سارة» (الممثلة زينة مكي) بسبب وجود «العشيقة المفضلة على الزوجة الشرعية»!!.
هذا ما كان يحدث في بيروت، حيث إقامة زوجة المحامي وابنتها بسبب إنشغالها الدائم بالتصوير، وحيث نجح ذات مرّة «الشبيحة»، أخصام المحامي، باقتحام فيللته وتهديد حياة زوجته وابنته، برغم الحراسة المشددة، ما استدعى منه نقلهما إلى شقة لا يعلم الأعداء مقرها أو عنوانها، فيما بدأت الزوجة تطالب بالطلاق، حماية لها ولإبنتها.
أما في دمشق، حيث مكتب المحامي واعماله القذرة، فهناك «هنادي» (الممثلة كاريس بشار) التي فقدت زوجها «أيهم» وهما في طريقهما إلى إحدى المستشفيات، عندما أقدمت مجموعة من «الشبيحة» على خطف الزوج وسرقة سيارته ورمي «هنادي» على قارعة الطريق، ولتبدأ من ثم هذه الزوجة الجميلة والصبية رحلة بحث إنسانية مضنية عن زوجها المخطوف، إلى جانب مساعدتها لأختها «هدى» (شكران مرتجى) التي استقبلتها في بيتها الذي تقيم فيه مع ابنتيها «لمى» و«شام»، بعدما قام والدهما بالسفر إلى المانيا، واعداً الزوجة والإبنتين بإجراء معاملات «لمّ الشمل»، لكنه يستقر في بلاد الاغتراب هانئاً، ويتزوج بالأموال التي اخذها من زوجته أم ابنتيه، من ابنة عمه التي تعيش في المانيا، ثم يعمد إلى تطليق زوجته «هاتفياً» بتشجيع من أمه.
ويتطرق المسلسل إلى عذاب الأم «هدى» التي بحثت عن عمل يؤمن لها الدخل الذي يسمح لها ولإبنتيها بالسفر (بحراً وتهريباً) إلى المانيا، ولا تجد سوى إعداد أطباق «أقراص الكبة» وبيعها للمحلات؟! إلا أن وفاة الحماة التي كانت قد اصيبت بشظايا صاروخ دمر منزلها الفخم، وبعدما سارعت «كنتها» (هدى) بنقلها إلى المستشفى وأمنت لها الرعاية، متجاهلة القسوة التي عاملتها بها، كانت السبب في تأمين المال المطلوب لسفر «هدى» وابنتيها.. رحلة عذاب مريرة في مختلف محطاتها، تُسلم خلالها ابنة «هدى»، الصبية «لمى» الروح جرّاء اصابتها بنزلة برد قاسية، وتدفن في أرض مجهولة التسمية؟!.
وأيضاً يتطرق المسلسل إلى ظاهرة فتيات صبايا من سوريا، هربن إلى بيروت، واضطررن لبيع اجسادهن للبقاء على قيد الحياة، وضمانة لعدم إفتراش أسفل طرقات الكباري (الجسور)، وتأميناً للقمة العيش، والأهم، ضماناً للأمن والأمان؟! وبرغم ما يجدنه من سيطرة وظلم وتحكم من القواد (نبيل) - يلعب الدور الممثل سعد مينه - ، ولتنتهي هذه الدراما بمقتل العشيق، والمحامي، وضياع الأم، وابنتها المتبقية على قيد الحياة في أرض لا معرفة لها بها أو بسكانها، وببقاء «هنادي» التي استرجع لها المحامي، زوجها المخطوف، وكأن القدر شاء لها ان تعيش وتبقى في وطنها لتربي طفلة من استعاد لها الزوج؟! بعد انتحار الزوجة- الأم الفنانة «ديانا» وكأني بالمؤلف يراهن على من بقي في سوريا وتمسك بالأرض، وعلى الجيل الجديد الذي سيبني المستقبل الآتي.
{ النجم «باسم ياخور» مشهود له ببراعة التمثيل ويلعب أي دور يسند له، بنجاح وتميز، وهو في «مذكرات عشيقة سابقة» يؤدي دوراً مركباً وصعباً، فهو الزوج والأب الذي يُخفي عن زوجته طبيعة العمل الذي يمارسه كي لا يخسرها، وهو المحامي - «سمسار الأرواح» الذي يقايض العباد بالمال، وهو في نهاية الأمر الباحث عن الأمان لإبنته الوحيدة، وعن الزوج المختفي لـ «هنادي» التي احبها وعرض عليا الزواج بعد طلاقه من الفنانة «ديانا» وهو الذي سيلقي حتفه برصاص «العشيق» الذي تربص له انتقاماً، بعدما تمّ اعتقاله لأيام في قبو، وعذب، وتم اجباره على تطليق زوجته وسفرها مع ابنهما الوحيد إلى حيث لم ولن يعلم بمكانهما، وكل ذلك بأمر من المحامي الذي شاء الإنتقام لشرفه..
باسم ياخور، هو أيضاً ممثّل مسرحي، وفي هذا المسلسل، طغى اداؤه المسرحي على التلفزيوني (أحياناً) في أكثر من مشهد، ومنها التي جمعته (قبل الموت) بأمه وهو يطلب منها الرضى والدعاء، وقد تكون هذه المشاهد الأكثر حميمية، وان عابها مثل هذا الأداء، ولكنه نجح إلى حدّ كبير باقناعنا بالشخصية التي لعبها بإتقان وبراعة..
{ النجمة نيكول سابا (بدور الفنانة ديانا)، الدرامي، وسيُحسب في رصيدها عند مناقشة امكانياتها التمثيلية، وهي أكدت من خلاله انها «ميلودرامية» بإمتياز عندما يتطلب منها الدور ان تكونه.
نيكول سابا التي تمردت على الزوج، كان عليها أيضاً ان تتمرد على عشقها للمحافظة على ابنتها، وهي لم تفعل وارادت ربح الأمرين: الإبنة والعشيق، فخسرتهما معاً!.
{طوني عيسى (بدور العاشق المخادع) المتردد ما بين الزوجة والعشيقة، والذي تحول من «كوافير» نسائي رومانسي هادئ الطباع، إلى مجرم يسعى وراء غريمه لقتله، وهو سيهوى في نهاية الأمر برصاص «المافيا» التي كانت تسعى لقتل المحامي - السمسار، لكنها انتقمت له من عاشق الفنانة المتمسك بالزوجة والأبن، لكنه، كما عشيقته، خسرا الاثنين؟!.
{ النجمة شكران مرتجى (بدور «هدى» الزوجة المغلوبة على أمرها): المؤكد أن هذه الممثلة تمتلك من القدرات والموهبة والإمكانيات ما يؤهلها لأن تكون «امينة رزق» الشاشة السورية، وهي في دور «هدى» أثبتت جدارة كبيرة في أداء الحوارات المتنوعة الإنفعالات، وفي تجسيد الشخصيات مهما كانت مركبة، وهي أدّت دور الزوجة المخدوعة بابتسامة تخفي وراءها ألف دلالة ودلالة، وبدموع «سرية» تعني ألم ألف جرح وجرح، كما استقوت بنفسها على نفسها متخذة قرار اللحاق بالزوج - الأب، كما وعدت ابنتيها، ولو اضطرتها الأمور الحياتية إلى صنع اقراص الكبة النية وبيعها للمحلات، سعياً وراء جمع بدل الإنتقال بالقوارب المطاطية عبر البحر، أي عن طريق الهروب المتاح... وعندما اشتدت عليها عوامل الطبيعة، كانت صرختها المدوية والتي عنت ألف معنى ومعنى: يا رب... كفاية عذاب؟!..
{ الممثلة كاريس بشار (بدور «هنادي» الباحثة عن زوجها المخطوف): تتميّز كاريس، ليس فقط في هذا المسلسل أو في هذه الشخصية، وإنما بمختلف ادوارها، بأسلوب مميز في التخاطب الحواري، وحيث الهدوء الذي يطغى في أدق المراحل وأكثرها حرجاً، فهي لم تفقد الثقة بالمحامي برغم لقاء الصدفة الذي جمعهما، وبرغم وصف أمه له، بأنه «يستغلها» وانه مراوغ وكاذب، فكانت تواجه كل هذه التهم، بهدوء غير مسبوق، بل تسعى إلى نفيه لدى قائليه ولذاتها... وعندما اعتذرت عن قبول عرض المحامي بالزواج منها، جاء رفضها عاقلاً وهادئاً، واستمرت على ثقة بأنه سيجد لها زوجها المخطوف!؟ وقد صدق حدسها، واستعاد لها المحامي هذا الزوج، لتؤكد بذلك ان البقاء في الوطن ربح وليس خسارة..
كاريس بشار أكثر من نجمة.. واهم من ممثلة... هي انسانة تؤدي أدوارها بشفافية تكاد تحولها إلى منارة تضيء لمن هم حولها.
{ جوي خوري (في دور أبنة الهوى): أدّت الدور كما هو مرسوم لها واستطاعت اقناعنا بأن التركيز ليس على «سطحية» الشخصية، وإنما على جوهرها ومكنوناتها، وبذلك عوضت أسلوب ادائها «المستفز» في كثير من حواراته، وهذا الاستفزاز نراه حاضراً في غالبية ادوارها؟!.
{ المؤلف نور الشيشكلي والمخرج هشام شربتجي، تعمدت جمعهما معاً لأنهما يشكلان ثنائياً متناغماً، جميلاً، ومبدعاً، وكم نتمنى ان نراهما في القادم من الأيام في أعمال درامية سوياً، بعدما أصبح يقيننا بأن التقاءهما يعني بالتأكيد مولد دراما محترمة وراقية على مختلف المستويات، وحيث انهما في «مذكرات عشيقة سابقة» جمعا معاني صراع الحب والنفوذ والقوة مع الخيانة والضعف، في نسيج درامي متفوق، نصاً وصورة، وحيث يشمل المخرج اختياراته الموفقة جداً لممثليه، وإدارته لهم كأحسن ما تكون الإدارة، مع التنويه الشديد بأهمية اغنية مقدمة ونهاية المسلسل التي غناها وصاغ كلماتها والحانها أحد أبرز الفنانين اللبنانيين «مروان خوري» فأتت مكملة لمضامين الدراما، بل في صلبها، ولا شك ان التقاء الكاتب نور الشيشكلي بالمخرج هشام شوريتجي، أنتج دراما راقية وضعت «الاصبع على أحد جروح سوريا» النازفة؟!.
abed.salam1941@gmail.com