وداعاً.. «موسيقار المصريين!»
أيمن عبيد*
حين يترجّل المبدعون الكبار، لا تغيب أسماؤهم بل تنفسح المساحة كاملة لأثرهم كي يتجلّى في أبهى صورة. ولعلّ رحيل الموسيقار المصري العبقري هاني شنودة يمثل واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي تعيدنا حتماً إلى تأمّل شريط كامل من التحوّلات الموسيقية والجمالية في تاريخ الأغنية والفن المصري. ما كان شنودة مجرد ملحن يراكم نغماً جديداً إلى محصول النغم العربي، بل كان مشروعاً تجديدياً بامتياز، استطاع أن يحدث قطيعة واعية مع الجمود، وأن يفتح نوافذ الموسيقى الشرقية على هوية كسر بها الأشكال المألوفة دون أن يفقد البوصلة نحو الوجدان الأصيل.
أنا ابن ذاك الجيل الذي نشأ على موسيقى هذا العبقري؛ حيث تعود بي الذكريات إلى مطلع الثمانينيات، عندما دعاني صديق لحضور فيلم «المشبوه» لعادل إمام وسعاد حسني. يومها لم ألتفت إلى أيَّ من عناصر الفيلم - الذي شكّل نقطة تحوّل في مشوار عادل إمام - بقدر ما التفتُ إلى الموسيقى التصويرية التي كتبت للفيلم خلوده، وقدّمت نموذجاً للإبداع الموسيقي حالما يسمو إلى آفاق تحفر عميقاً في وجدان كل متذوّق أصيل. خرجت من الدار أبحث عن ذلك المبدع الفنان، فوجدت هاني شنودة قد أوغل في مغامرة كسر القوالب التقليدية، وتغيير وجه الموسيقى والأغنية المصرية مع تأسيسه لـ «فرقة المصريين» عام ١٩٧٧.
لم تكن «المصريين» تجربة عابرة في ميدان التجريب وصياغة أشكال غنائية مبتكرة في الفضاء المصري والعربي، كيف لا وقد فسحت الطريق لاحقاً لكثيرين حملوا الجرأة والشغف ذاته، واتخذوا من شنودة وفرقته مثلاً وأثراً. لقد أعاد الرجل ترتيب مشهد الأغنية عبر جرأة إدخال الآلات الغربية، لا سيما «الأورج» والهارموني الحديث، ودمجها بذكاء مع الروح الشرقية؛ فصنع صوتاً مختلفاً أليفاً ومبهجاً يعبر عن نبض الشارع والشباب في تلك المرحلة الحسّاسة. لم يكن التجديد عنده شكلياً، أو مجرد لوحة برّاقة دون مضمون، بل صياغة لرؤية فنية آمنت على الدوام بأن الموسيقى كائن حي يجب أن يتحرك ويتنفس مع حكايات الناس.
ولعلّ أهم ما كان يميّز الراحل المجدّد هذا الحس العميق بالوجدان الجمعي؛ فلم يتقوقع داخل شرنقة عاجية متعالياً بإنتاجه على الجمهور، مقدّماً خلطة سحرية خاطبت الفئات العريضة دون أن تفقد تقدير النخب. وستبقى أغنية «زحمة يا دنيا زحمة» - التي صاغ موسيقاها لنجم الأغنية الشعبية أحمد عدوية - خير دليل على هذا الحس الذي ميّزه عن أقرانه، حين طعم الغناء الشعبي برؤية هارمونية رصينة جعلت الأغنية تتجاوز حدود الحارة لتعبّر عن حالة إنسانية وفنية فارقة.
امتدت بصمة شنودة لتسهم في إعادة تشكيل خريطة الغناء العربي، من خلال عينه الثاقبة في اكتشاف المواهب؛ فهو صاحب الأيادي البيضاء التي أخذت بيد أجيال جديدة كانت تفتش عن فرصة وقدّمها للجمهور لتحدث تحوّلاً مفصلياً في نمط الغناء السائد، بدءاً من محمد منير وألبوماته الأولى، مروراً بدعمه لبدايات عمرو دياب، وليس انتهاءً بقدرته النادرة على صياغة شخصية غنائية لكل صوت يتعامل معه.
ولم تنحصر عبقريته في عالم الغناء؛ فذهب إلى وضع لمسات استثنائية في الموسيقى التصويرية للسينما المصرية، مكرّساً خلفيات حيّة ومؤثرة لأعمال خالدة مثل «الغول»، «شمس الزناتي»، و«المشبوه». كانت موسيقاه في هذه الأفلام بمثابة البطل المستتر الذي يوجّه المَشاهد ويشحنها بالطاقة والتعبير الدرامي الفذ، ما جعل مقطوعاته جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة البصرية والسمعية للجمهور العربي على حد سواء.
ولا زلت أذكر يوماً التقيت فيه الموسيقار اللبناني الراحل إلياس الرحباني في أحد مقاهي شارع الحمرا ببيروت، وتطرق الحديث آنذاك إلى أثر المدرسة الموسيقية المصرية في تطوير مسار الأغنية العربية، حيث توقف الرحباني عند تجربة هاني شنودة، وأعرب عن إعجابه الشديد بجرأته وحسّه الهارموني الخلّاق، معتبراً إياه أقرب الموسيقيين المصريين المعاصرين إلى قلبه، وحالة فنية خاصة لا تشبه إلّا نفسها. كان الرحباني يرى في شنودة «موسيقار المصريين» بحق؛ ليس فقط لكونه مؤسس تلك الفرقة الشهيرة التي أحدثت ثورة في نهاية السبعينيات، وإنما لأنه عكس الروح المصرية البسيطة والعميقة في آنٍ إلى أنغام تتسلل بمرونة إلى الأذن العربية، حائزاً على بصمة نغمية تشيع دفئاً وبهجة وتجريباً أصيلاً أينما حلّت.
مع رحيل هاني شنودة، تنطوي صفحة من أنصع صفحات التحديث في الفن العربي، لكن الموسيقى التي بذل فيها عمره وشغفه تظل عصيّة على النسيان. وقادرة باستمرار على الإدهاش والبقاء، شاهدةً على فنان رسالي أدرك ببصيرته أن الأصالة لا تعني الجمود، وأن الجرأة حين تقترن بالصدق تصنع إرثاً يخلد في وجدان الأجيال.
* كاتب مصري






