وضعنا الاقتصادي اللبناني لا نحسد عليه واذا استمرينا كما نحن فالنتائج معروفة ولا تحتاج الى الدراسات لا السطحية ولا المعمقة. مصيرنا سيكون المزيد من الفقر والهجرة والافلاسات في قطاع الأعمال والتهجير الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من النتائج المشابهة. فرص الانقاذ الحقيقية ستبدأ من تخفيف فترة وحجم الخسائر الكبيرة التي تؤذينا اليوم في كل القطاعات لنمر في مرحلة انتقالية لعلها تكون قصيرة حتى ننتقل بعدها الى مرحلة نمو حديثة نوعية تستفيد من كافة المستجدات العلمية والتكنولوجية المتسارعة. هنالك خطورة في تعميم مبدأ العجز العام عن مواجهة التحديات الاقتصادية الكبيرة، اذ يجب أن تستمر الحكومة في الاصلاح وأن لا تعطي الانطباع بأنها عاجزة عن تحقيق تقدم ملموس في مختلف القطاعات. ادارة الأزمات ليس ما نحتاج اليه اليوم، وقد مررنا في فترات مماثلة في ظروف سابقة. حتما الأوضاع الحالية غير مريحة لكن المواجهة تصبح ضرورية أكثر بل تعطي نتائج أكبر.
في فترة التعثر والخسائر التي نمر بها هنالك قطاعات تتضرر كثيرا وعلى المدى البعيد وأخرى تخسر لكن يمكنها التعويض بسرعة. من القطاعات التي تخسر الكثير على المدى الطويل هي التربية بكافة مستوياتها والتي تعطي الانطباع بالرغم من التأكيدات الرسمية المتكررة، بوجود ضياع بل تردد في اتخاذ القرارات المناسبة ربما على مستويات عدة. هل تجري الامتحانات الرسمية أو لا وعلى دورتين وليس أكثر؟ ما هي البرامج بل المواد التي سيمتحن الطلاب بها؟ ليس الهدف توزيع الشهادات كأنها حق، بل يجب امتحان الطلاب كي يحملوا شهادات يفتخرون بها ويستفيدون منها في الجامعات والحياة. ما يجري في لبنان هو معروف في كل الدول التي يذهب اليها طلابنا للتخصص، وبالتالي لا يمكن تخبئة أي شيء حتى اذا كانت هنالك رغبة في ذلك. هنالك انطباح يسود المجتمع بأن هدف «التنجيح» يبقى أقوى من هدف تقييم معرفة الطلاب بالمواد الممتحنة وما تبقى منها. هنالك انطباع عام يشك في النوعية بالرغم من معرفة الجميع بأن أوضاعنا صعبة ولا حلول سحرية أو فاضلة لمشاكلنا المتنوعة والمتعددة.
مهمة التربية هي البناء للمستقبل، أجيال ضعيفة علميا وثقافيا لن تكون مؤهلة لخوض غمار الحياة الجامعية وثم العملية التنافسية المتغيرة والمعقدة أكثر فأكثر. هنالك ضرورة لتعميق التعاون بين القطاع الرسمي والقطاع الخاص لبناء أجيال تحوذ على المؤهلات الكافية للفوز في معترك الحياة المعقد. هل نستثمر حاليا ما يكفي ماليا ونوعيا في مدارسنا الرسمية لتنافس عن جدارة المدارس الخاصة في أوضاع اليوم حيث تتعثر العائلات في مواجهة الأقساط التي تفوق ايراداتهم؟ هل نستثمر مجتمعيا ما يكفي في الجامعة اللبنانية لكي تتطور اداريا وتقنيا مع كل المستجدات العلمية والقانونية التي تعجز حتى الجامعات العالمية الكبرى عن اللحاق بها؟
ما هي الجهود التي تبذل اليوم للحفاظ على أوضاع التعليم المهني والتقني بل لتطويره تماشيا مع ما يحصل عالميا. تطوير التعليم المهني والتقني ربما يكون أسهل من التعليم النظري، لكنه يصبح اليوم ضروري جدا في عالم الأنترنت والصناعات الكهربائية والفضائية وغيرها. في الواقع، أكثر ما يحتاج له لبنان اليوم هو المهني والتقني الجيد في كل قطاعاته. طبعا الظروف العامة غير مساعدة للنجاح، لكن التنبه لحماية قطاع التربية مهم جدا حتى لا تنعكس الأوضاع سلبا وبشكل طويل الأمد على الشابات والشباب وبالتالي على مستقبل لبنان. في التربية والتعليم، تعويض الخسائر في المستوى والنوعية صعب جدا ويتطلب الكثير من الجهد والالتزام على مدى سنوات طويلة.