يهيمن الخط العامودي في أعمال الفنانة غولي ماهالاتي Goli Mahallati - iranian ضمن أسلوب التعبيرية والتجريد التشخيصي، وهو أسلوب يُراهن على الإحساس أكثر من السرد المباشر. فبناء الشخصيتين ليست مجرد اختيار شكلي، والاستقامة ليست عبثية، بل هندسية. والجسد يتحوّل إلى مستطيل، والامتداد نحو الأعلى يبدو كحركة صعودية بلا غاية، أو كحبس داخل اتجاه واحد. في غياب الخطوط الأفقية الواضحة، يغيب الاستقرار، ويصبح الوقوف نفسه فعلًا مقلقاً. يشعر المتلقّي بالتوتر بين الثبات والقلق وبين المتناقضات البصرية وهو ما يمنح الخط معناه إذ لا تصف غولي الجسد، بل تفرض عليه نظاماً. فتبدأ الهندسة في لوحتها بالتحوّل من أداة تمثيل إلى أداة سيطرة، من وصف إلى فرض. فهل الخط الذي يحدد الجسد هو ذاته الخط الذي يحدد مصيره؟
لا يبدو الإنسان ككائنٍ مرسوم بقدر ما يبدو كفكرةٍ أُعيد ترتيبها داخل نظام بصري صارم. إذ تضعنا ماهالاتي أمام معادلة الكتلتان العموديتان، ولونان متقابلان، وفضاء مسطّح بلا عمق كما لو أنها ترفض الواقع الملتبس على الشخصيتين. إذ يتحوّل الخط إلى فعل تأسيسي، لا مجرد وسيلة تمثيل، ويتحوّل الشكل إلى اقتراح فلسفي حول ماهية الإنسان. فهل هذه الأشكال الهندسية تبسّط الإنسان، تختزله إلى ما يمكن رؤيته؟ أم أنها تفعل ما هو أخطر أي تكشف أن الإنسان في جوهره ليس إلّا بنية قابلة لإعادة الترتيب ؟ وهل هو كناية عن تركيب من خطوط وألوان، يمكن أن يُعاد تشكيله كما يُعاد رسمه؟
إن السؤال لا ينشأ من مضمون اللوحة فقط، بل من بنيتها، من تلك القسوة الهادئة التي تفرضها الخطوط العمودية، ومن ذلك الصمت الذي تحمله الوجوه الممحوة، أما الأشكال، فهي في أقصى درجات الاختزال من رؤوس دائرية، أجساد مستطيلة، عناصر خلفية مربعة أو شبه مربعة. هذا الاقتصاد الشكلي لا يسعى إلى التبسيط من أجل الوضوح، بل من أجل نزع الفائض، إزالة كل ما يمكن أن يُربك الرؤية لكن ما الذي يبقى بعد هذا النزع؟ يبقى ما لا يمكن اختزاله وهي العلاقة. فالشخصيتان، رغم اختلاف اللون والانحناء الطفيف، تقفان جنباً إلى جنب، كأنهما معادلة ثنائية لا يمكن حلّها إلّا بوحدتهما. وكأن غولي تريد القول أنت لست ما أنت عليه، بل ما أنت عليه بجوار الآخر. ومع ذلك، فإن هذا الجوار نفسه مبني على تباين صارخ مثل الأزرق البارد مقابل الأصفر الدافئ، الانغلاق مقابل الانفتاح. وكأن اللوحة تقول إن العلاقة لا تقوم على التشابه، بل على الاختلاف المنظّم، على التوتر الذي يمكن احتواؤه داخل بنية.
ثم تكمل مجازياً الشكل الهندسي، فالشمس دائرة مثالية، الطائر شكل مبسّط يكاد يكون رمزاً، والكتل اللونية تتوزع دون تدرّج، في مساحات حادّة تفصلها حدود واضحة. إذ لا وجود لمنظور تقليدي، لا عمق، لا تدرّج ضوئي، بل سطح يفرض حضوره كحقيقة نهائية. هذا التسطيح ليس نقصاً، بل موقف لرفض وهم العمق، وعودة إلى سطح الأشياء حيث تُبنى المعاني البصرية بجمالية متناقضة. وكل شيء في لوحاته يخضع لمنطق البناء فالطائر لا يطير، بل يقف، الشمس لا تضيء، بل تُعلّق، الأرض لا تُحتضن، بل تُقسّم. وهكذا، تتحول الطبيعة نفسها إلى بنية، إلى نظام من الأشكال التي يمكن إعادة ترتيبها كما تُرتب قطع لعبة.
لكن الأخطر في معنى أشكال غولي هو ما يفعله بالإنسان نفسه. حين يُختزل الجسد إلى شكل، ويُمحى الوجه إلى حد الغياب، يصبح الإنسان قابلاً للاستبدال. لا فرق جوهري بين هذا الجسد وذاك، إلّا في اللون، في الانحناء الطفيف، في موقعه داخل التكوين. وكأن اللوحة تطرح احتمالات أن الفرد ليس إلّا تنويعاً داخل نموذج، ولا نسخة معدّلة من قالب يمكن تكراره. فمن هو هذا الشخص الذي يصبح خطوط ؟ بل ما هو هذا الشكل؟ وما الذي يجعله مختلفاً عن غيره؟ وهل هذا ما يجعل الهندسة في الفن الحديث أداة نقدية، لا مجرد لغة بصري؟. وهل يمكن تسمية أسلوب غولي «إنسانية هندسية»؟
إنسان لا يُعرّف بملامحه، بل بانحرافه عن الشكل المثالي، بخروجه الطفيف عن القاعدة. وكأن غولي تقول إن الإنسان لا يكمن في الشكل، بل في الخطأ داخل الشكل، في تلك اللحظة التي تفلت فيها الهندسة من سيطرتها الكاملة. إذ لا تعود البنية قفصاً، بل تصبح إطاراً يمكن التفاوض معه، مساحة يمكن للذات أن تُعيد ترتيب نفسها داخلها، لا أن تُسحق بها. فهل تبسّط الهندسة الإنسان أم تكشف جوهره كبنية قابلة لإعادة الترتيب؟ والسؤال الفلسفي الأهم هل نحن مثل هاتين الشخصيتين، نقف داخل أشكالنا، نعتقد أننا اخترناها بينما هي التي اختارتنا؟