حين وجّه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، لم يكن ذلك مجرد قرار تجاري عابر، بل كان بياناً سياسياً واستراتيجياً يحمل دلالات عميقة، ويعكس تحولاً نوعياً في مسار العلاقات اللبنانية - السعودية. إنه في جوهره شريان حياة يسري في جسد اقتصاد منهك، وحجر أساس لمرحلة جديدة مبنية على الالتزامات المتبادلة والثقة المستعادة.
• من المقاطعة إلى الشراكة
قبل سنوات قليلة، كان لبنان يصدّر منتجاته إلى السوق الخليجية بصورة طبيعية، حتى اندلعت أزمة الثقة الكبرى حين باتت مطارات دول الخليج تضبط شحنات تحمل بضائع لبنانية وبداخلها مواد مخدرة، ما يعكس حالة الانهيار المؤسسي الشامل الذي أصاب الدولة اللبنانية، وتحولها إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد استغلالها. جاء رد الخليج حازماً ومفهوماً.
اليوم، يأتي القرار السعودي بناءً على معطيات مغايرة جذرياً. ثمة حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، وثمة رئيس جمهورية هو جوزيف عون، وثمة إحساس حقيقي بأن مؤسسات الدولة تستعيد تدريجياً هيبتها وسيطرتها. والأهم أن الرياض لم تقدِم على هذه الخطوة من باب المجاملة، بل بناءً على تقييم ميداني أجرته فرقها المختصة طوال عام كامل. هذا القرار ليس هبةً مجانية، بل مكافأة للخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة. إنه يكرّس معادلة "الخطوة مقابل الخطوة”، ورسالة واضحة من المملكة بأنها لا تتخلى عن لبنان عندما يقرر الأخير مساعدة نفسه والنهوض بمؤسساته الشرعية.
• قبلة الحياة للاقتصاد المنهك ورافعة إقليمية
على الصعيد الاقتصادي، يمثل رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية دفعةً هائلة لاقتصاد يعاني من أزمات هيكلية حادة، فقد فَقدَ لبنان ما يزيد على ثلاثة أرباع ناتجه المحلي منذ انهيار عام 2019. فالصادرات اللبنانية التي كانت تتجه نحو السعودية تشمل قطاعات حيوية: الخضروات والفاكهة من سهل البقاع وعكار، والمنتجات الغذائية المصنّعة، والمشروبات، والأدوية. ستعود الروح بهذا القرار إلى قطاعَي الزراعة والصناعات التحويلية اللذين عانيا كثيراً جراء غياب الأسواق الخليجية.
والأثر لا يتوقف عند المنتج أو المصنّع، بل يمتد ليشمل تدفقات نقدية بالعملة الصعبة يحتاجها الاقتصاد اللبناني بشدّة لتثبيت استقراره النقدي، فضلاً عن خلق فرص عمل حقيقية تُسهم في الحد من معدلات البطالة المرتفعة. السوق السعودية بوابة استراتيجية، إذ لا تعني فقط المستهلك السعودي، بل تعني إعادة رسم خريطة الثقة الخليجية بأكملها تجاه المنتج اللبناني.
إن هذه الخطوة المتقدمة تشكّل أيضاً رافعة اقتصادية كبيرة لثلاث دول متجاورة في المنطقة، وهي: لبنان، وسوريا، والأردن؛ الأمر الذي يكرّس حرص المملكة العربية السعودية على أداء دورها العربي الريادي في صون اقتصاديات الدول التي تمر بأزمات حادّة ومدّها بـ«الأكسجين» الحيوي لتمكينها من إعادة بناء بنيتها الاقتصادية، مما يؤكد قدرة الرياض العالية على إدارة القضايا الاستراتيجية الكبرى.
• المضمون السياسي: سيادة ومسؤولية
في الشق السياسي، نقل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان هذا التوجيه خلال اتصال هاتفي برئيس الوزراء اللبناني، مؤكداً دعم المملكة لاستقرار لبنان وسيادته على كامل أراضيه. وهذا الموقف ليس شعاراً بروتوكولياً، بل هو موقف استراتيجي ثابت يربط الشعب اللبناني بسيادة دولته وقدرتها على ضبط حدودها ومنافذها. وعلى الصعيد اللبناني، جاء هذا القرار في ظل انسداد الأفق الإقليمي وبلوغ المواجهات ذروتها، ليكون بمثابة ترجمة عملية للرؤية الحكيمة والدقيقة التي تنتهجها المملكة في إدارة الملف اللبناني، على قاعدة المحافظة على القرار السيادي الوطني.
وكل ذلك إنما يؤكد متانة ورسوخ العلاقة الوجدانية العميقة والمتجذّرة التي تربط المملكة تاريخياً، قيادة وشعباً، بلبنان؛ الوطن والشعب والكيان. ففي كل المنعطفات الخطيرة التي مر بها لبنان وكان فيها مهدداً في وجوده، كانت المملكة دائماً هي المبادِرة إلى إنقاذه ورسم آفاق جديدة لمستقبله، تضمن الحفاظ على دوره المتمايز عربياً كجسر عبور بين الشرق والغرب.
لذلك، فإن فتح الحدود أمام الصادرات اللبنانية يندرج في هذا الإطار الاستراتيجي الواسع؛ فالقرار لا يدخل في شرنقة وزواريب السياسات اللبنانية الضيقة، بل إن انعكاساته الإيجابية، سياسياً واقتصادياً، ستطال لبنان بأكمله بمختلف مكوناته المجتمعية. وهو ما يثبت مجدداً حرص المملكة الثابت على وحدة لبنان وعروبته، وتمسكها بـ«اتفاق الطائف» كضامن وحيد لوحدته الوطنية وعيشه المشترك.
ولا يمكن فصل هذا الدعم السعودي المتجدد عن مسار الوفاق الداخلي؛ فالاستقرار الذي ينشده اللبنانيون لا يتحقق بالمسكنات الاقتصادية مع استمرار الشلل السياسي. إن فتح الأسواق الخليجية يمثل قوة دفع حقيقية للنخب الحاكمة لترتيب البيت الداخلي، والمضي قدماً في تفعيل المؤسسات الدستورية والقضائية، بما يضمن صيانة الأمن المجتمعي والسياسي وتثبيت مناخات الثقة الاستثمارية.
وهنا تبرز أهمية توقيت القرار الذي سبَق وصول الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، تأكيداً على الدور الاستراتيجي الذي تؤديه المملكة تجاه لبنان على قاعدة الاحترام المتبادل، ومن خلال الحرص على صياغة العلاقة من «دولة إلى دولة»، بعيداً عن أي توظيف فئوي يخدم هذا الفريق أو ذاك.
في المقابل، فإن الثقة السعودية باتخاذ لبنان جميع التدابير اللازمة لضمان عدم استخدامه منصةً للإضرار بأشقائه، تضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية تاريخية. هذا التوجيه يمنح السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية اللبنانية الزخم اللازم لفرض سيطرتها الكاملة، ويجعل من أي إخفاق مستقبلي مسؤولية لبنانية خالصة لا يمكن إلقاؤها على أحد آخر.
• الاختبار الحقيقي في التفاصيل
غير أن الاحتفاء بالقرار لا ينبغي أن يُغني عن سؤال جوهري: هل الدولة اللبنانية قادرة فعلاً على الوفاء بتعهداتها؟ الاختبار الأول سيكون في التفاصيل اليومية: كيف تُدار المطارات والموانئ، وكيف تُراقب الشحنات، وكيف يتعامل المسؤولون مع ضغوط المنظومات غير الرسمية التي لا تزال تحاول استعادة نفوذها. لبنان لا يُطلب منه أن يكون مثالياً، بل أن يُثبت أن مساره تصاعدي لا انتكاسي.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الإسراع في إعادة إحياء وتنشيط الهيئات المشتركة، وفي مقدمتها مجلس الأعمال اللبناني السعودي، وتفعيل الغرف التجارية المشتركة لتبسيط الآليات اللوجستية وتأطير التعاون بين القطاع الخاص في البلدين. هذا الحراك المؤسسي كفيل بقطع الطريق على السماسرة وشبكات التهريب، وتحويل الاتفاق الدبلوماسي إلى بروتوكول تجاري مستدام.
• الكرة في الملعب اللبناني
مدّت الرياض يدها مجدداً للبنان، وهذا التوجيه الملكي هو فرصة ذهبية وتحدٍّ حقيقي في آن معاً. الفرصة تكمن في استعادة لبنان لعمقه الاقتصادي الحيوي وإعادة تموضعه في المنظومة العربية كدولة موثوقة وشريك حقيقي. أما التحدي فيقع على عاتق الدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها للحفاظ على هذه الثقة الثمينة، وتطوير آليات الرقابة لضمان ديمومة هذا الانفتاح.
ما قدّمته الرياض اليوم هو في جوهره ثقة، والثقة أثمن من أي منحة مالية لأنها تُبنى ببطء وتنهار بسرعة. الكلمة الفصل ليست في تصريحات المسؤولين، بل فيما ستفعله الحكومة اللبنانية على أرض الواقع خلال الأشهر القادمة. إن أحسنت، ستجد أن هذا القرار كان البداية لا النهاية. وإن أخفقت، فلن يكون ثمة من تلومه سوى نفسها هذه المرة.