حكايا الناس

9 أيار 2026 12:00ص كرامة شهيد!

حجم الخط
كانت القرية الصغيرة عند الحدود تعيش على خوفٍ دائم منذ بدأت الحرب. البيوت تُغلق أبوابها باكرًا، والناس يتهامسون عن قرى سقطت وبيوت أُحرقت. في آخر الحارة، كانت أمّ يوسف تعيش مع ابنها الوحيد، شاب بسيط يعمل نجّارًا ويزرع الياسمين أمام البيت.
حين اقترب العدو من قريتهم، تغيّر يوسف. صار يعود إلى البيت صامتًا، يراقب التلال بقلق. وفي إحدى الليالي قال لأمه:«إذا دخلوا إلى هنا فلن يرحموا أحدًا. لا أستطيع أن أبقى متفرجًا.»
أمسكت يده بخوف:«هذه ليست حربك يا بني، دع الدولة تحمينا».
ابتسم بحزن وأجاب:«الدولة التي تعجز عن حماية أهلها، تترك أبناءها وحدهم بين خيارين: الموت واقفين أو العيش بذلّ».
في الصباح حمل بندقية قديمة ورحل مع رجال القرية. كانت أمّه تنتظر عودته كل ليلة، تسمع أصوات الرصاص من بعيد وتدعو أن يعود حيًا. لكن في صباحٍ بارد، عاد الرجال وحدهم، يحملون يوسف ملفوفًا بعلم الوطن.
بكت الأم حتى جفّ صوتها، لكنها كانت تشعر أن ابنها مات واقفًا، لا هاربًا.
بعد أيام، جاءت السلطات إلى القرية. دخل ضابط إلى بيتها وقال ببرود:»«ابنك كان يحمل السلاح خارج إطار القانون.»
ضحكت الأم بمرارة وقالت:«وأين كان قانونكم حين كان العدو يحرق القرى؟ وأين كانت دولتكم حين كان أبناؤنا يموتون وحدهم على الحدود؟ احترموا كرامة شهيد الوطن».
ثم رفعت رأسها وأضافت:«ابني لم يكن خارجًا عن القانون، بل كان داخل قلب هذا الوطن. أنتم تملكون الأوراق والأختام، أما هو فكان يملك الشجاعة فقط».
ساد الصمت في الغرفة. نظر الضابط إلى صورة يوسف المعلّقة على الجدار، ثم إلى الأم التي كانت تضمّ ثياب ابنها إلى صدرها، ارتجفت يده، فأغلق ملف التحقيق ببطء، وانحنى رأسه خجلًا قبل أن يغادر دون أن يقول كلمة واحدة.
أخبار ذات صلة
البعبع..!
6 أيار 2026 البعبع..!
في وطني
5 أيار 2026 في وطني
شد حبال
4 أيار 2026 شد حبال