كانت الحرب قد أنهكت كل شيء، البيوت، الطرقات، وحتى وجوه الناس. في تلك القرية الجنوبية، لم يبقَ بيتٌ إلا ولامسه الدمار، ولا عائلة إلا وذاقت مرارة التهجير. خرجوا على عجل، يحملون ما تيسّر من ذكرياتهم، تاركين خلفهم جدرانًا تحفظ أصواتهم وأحلامهم.
في ليالي النزوح، كان الصمت ثقيلاً. الأطفال يسألون عن بيوتهم، والكبار يتهامسون عن الغد المجهول. لكن في مكانٍ ما، كان هناك من يقاتل. شبابٌ حملوا أرواحهم على أكفّهم، لم ينتظروا شيئًا، ولم يسألوا إلى أين ستأخذهم الطريق. كانوا يعرفون فقط أنهم يدافعون عن أرضٍ لا تُقاس بالمساحة، بل بالكرامة.
ومع إعلان وقف إطلاق النار، بدأت القوافل تعود، الطرقات التي غادروها باكين، عادوا إليها بحذرٍ وقلق، رأوا بيوتهم مهدّمة، وأشجارهم محترقة، لكنهم وجدوا شيئًا لم يُهزم: إحساسهم بأنهم ما زالوا هنا.
وفي الطرقات التي عادت تنبض بالحياة، سار العائدون ببطء، يتفقدون تفاصيلهم الصغيرة التي نجت. كل حجر كان يروي حكاية، وكل باب مكسور كان شاهداً على غيابٍ طال، وعودةٍ كُتبت بالإصرار رغم كل الخسارات.
في الساحات، ارتفعت أصوات أخرى، مسؤولون يتحدثون عن «إنجازات» و«انتصارات»، يوزّعون الكلمات كما لو أنها غنائم. حاولوا أن يكتبوا رواية جديدة، يضعون أنفسهم في صدرها، ويتجاهلون أولئك الذين بقوا في الخطوط الأمامية، يدفعون الثمن الحقيقي.
وكانت الأمهات يقفن على عتبات البيوت المهدّمة، يعدن ترتيب الحجارة كما لو أنهن يعِدن ترتيب قلوبهن، نظر الناس إلى بعضهم، بصمتٍ يحمل الكثير، كانوا يعرفون الحقيقة، يعرفون من بقي، ومن ضحّى، ومن حاول أن يقطف ما لم يزرعه.
في إحدى الزوايا، وقف رجل مسنّ، يراقب المشهد، وقال بصوتٍ خافت لكنه واضح:
«الأرض لا تخون من دافع عنها… لكن بعض أهلها يفعلون».