بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 آذار 2020 12:00ص ‏كارثة كورونا بين الطمأنة والتهويل: إيقاف حصد البشر ومنع انهيار الوطن

حجم الخط
 ‏ها هو لبنان يُكمِل أسبوعه السادس في خضم مواجهة وباء الكورونا العالمي. ‏لا شك أن من أهم ما فعله لبنان في المراحل الأولى هو تجهيز مستشفى رفيق الحريري الجامعي، ‏وحملات التوعية من قِبل وزارة الصحة والأطباء المختصين، ‏وحملة «خليك بالبيت» التي ابتدأتها وسائل الإعلام اللبناني وثبتتها الحكومة بإعلان حالة التعبئة العامة التي هي نوع من حالة طوارئ لا تشمل تسليم السلطات للجيش. ‏رافقت هذه الإجراءات نشاطات كثيفة للجان الخاصة بوزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والمستشفيات الجامعية لتأمين الفحوصات والمستلزمات الطبية وتجهيز أقسام خاصة لاستقبال مرضى الكورونا.

‏منذ إعلان الحالة الأولى حتى الحالة رقم 438 بتاريخ كتابة هذه المقالة، كانت هناك استراتيجية طمأنة من قِبل المسؤولين تلخّصها عبارة «لا داعي للهلع»، وحتى أن بعض الإختصاصيين كانوا داعمين لها بحجّة عدم خلق جو «خوف زائد ‏قد يضر أكثر». لقد أصبح واضحا أن الدول التي استخفّت بخطورة انتشار الوباء عندها، ولم تقم بالإجراءات التحضيرية والمبكرة للعزل، تعاني كوارث صحية كبيرة وإصابة الآلاف من الناس ووفاة المئات منهم يوميا. 

‏تبقى الوقاية من وباء الكورونا وتخفيف انتشاره السبيل الأقوى لوقف الكارثة الصحية، حيث انه لا يوجد حتى الآن أي علاج شافٍ بل مداواة ومساندة للمرضى الذين يعانون من اشتراكات ‏رئوية ونقص بالأوكسجين، بالإضافة الى ‏تجارب لأدوية قديمة الاكتشاف أو حديثة، مع أبحاث عن استعمال سائل دم الناجين، الذين تثبت لديهم مضادات عضوية ضد كورونا، بالإضافة إلى مساعٍ عالمية جبارة لتطوير لقاح قد يصبح متوفرا بعد سنة او اكثر. 

لهذا فالإرشادات هي بالفحص، الفحص، الفحص، والعزل، العزل، العزل، التباعد الشخصي والتباعد الاجتماعي، ‏ومنع كل أشكال التجمّعات ‏من مدارس وجامعات ومقاهٍ ومطاعم وسينما ومسرح ومناسبات اجتماعية، وسُبُل النقل المشترك ومؤسسات عامة وخاصة وغيرها. ‏وهذا مما يستلزم قرارات ومراسيم وقوانين ‏بالإضافة إلى توعية المواطنين واخافتهم وفرض التزامهم بالارشادات والإجراءات.

‏فحبذا لو انه بدل «لا داعي للهلع» نقول «الخوف حقيقي وكبير»، وبدل أن نقول «ارتفاع عدد الحالات في لبنان يجري بشكل طبيعي»، نقول بأنّه «ارتفاع مقلق»، وبدل أن نقول «فيروس كورونا لا ينتقل في الهواء لأنه يحتاج إلى خلية يعيش فيها، ‏وهو لا يشكّل خطرا على الحياة إلا في حالات نادرة»، نقول ونذكّر بأنّه «أصبح هناك في العالم أكثر من 650.000 إصابة و‏دخول 150,000‏ - 200.000 مصابين الى المستشفيات ودخول 15.000 – 20.000 مصاب إلى العناية الفائقة ووفاة ‏أكثر من 30.000 شخص»، ‏ونذكر أنّ المكوث على ماكينة التنفّس الاصطناعي لمدة أسبوعين او ثلاثة ليس بنزهة خاصة عندما يتم في ظروف صعبة وضائقة، وأن هناك معاناة ووفيات تحصل بدون أن يتمكن افراد عائلة المريض وأصدقاؤه من أن يكونوا إلى جانبه، وحتى أحيانا بدون عددٍ كافٍ من الأطباء والممرضات والمستلزمات الطبية، هذا عدا عن كل الآثار السلبية على الاقتصاد والمجتمع وطبابة الامراض العادية.

لقد أصبح التهويل والتخويف ضرورياً حتى يبقى المواطنون في منازلهم، وحتى يساعدوا الحكومة على اتخاذ قرارت صارمة أكثر ورصد أموال وموارد لتجهيز افضل للمستشفيات، ولحل أزمة ولتسريع استيراد كافة المستلزمات الطبية ولحماية الجسم الطبي ‏الذي يعرّض نفسه وعائلاته لخطر الإصابة من اجل صحة الآخرين (33 إصابة في الجسم الطبي من أصل 412 حتى 28-3-2020) وتشجيع وتحفيز المعامل والمصانع المحلية لانتاج ما يمكن وذلك بمساعدتهم بالأموال والموارد للتحضير للأسوأ الذي نتمنى أن لا يحصل.

وهل يُعقل مثلا انه وبعد اكثر من أسبوع من تداول موضوع السماح للأهالي ‏بتحويل الأموال الضرورية لأولادهم الطلاب اللبنانيين العالقين بدون مصروف وموارد ومحتجزين في بيوتهم في الخارج، يتم الإعلان عن إنشاء لجنة لدراسة الموضوع والبت فيه! يحق للمواطن أن يتساءل ويقول بأنّه يجب أن يصدر أمر للمصارف بالسماح للأهالي بتحويل الأموال (ولا مانع من أن يتم وضع حد أقصى) لأولادهم فورا، وحتى اونلاين، في هذه الظروف الطارئة.

‏الدولة تحتاج ويجب ان تكون قادرة على اتخاذ سريع للقرارات وتنفيذها، فإذا كانت الحكومة بحاجة إلى قرار اكبر من «التعبئة العامة» فلتقل هذا، قبل فوات الأوان. كيف يمكنها مساعدة المستشفيات والشركات الخاصة والعامة والموظفين وكافة العاملين ماديا ومعيشيا كي يستطيعوا الاستمرار ‏لأسابيع وربما لأشهر في الحجر المنزلي بدون مصادر مالية سريعة؟. مصرف لبنان يقول بأنّ لديه في الاحتياط مبلغ 26 مليار دولار فيمكن، بل يجب على الدولة استعمال جزء من هذا الاحتياط لمكافحة الوباء لتأمين الحياة وتخفيف المعاناة ومنع الاقتصادي الانهيار الاجتماعي الاقتصادي الكامل. 

‏وليس من الغلط الإشارة إلى أن عددا لا بأس به من الميسورين اللبنانيين الكبار، ومنهم سياسيون، يتصدّرون لوائح فوربس (Forbes-500) ويستطيعون أن ينقذوا الوطن والمواطنين (وأنفسهم وعائلاتهم) بنسبة ضئيلة من ثرواتهم ‏الموجودة في البنوك المحلية والعالمية!

مع تأخّر الدولة بمساعدة شاملة للمستشفيات وللناس في بيوتهم، هبَّ المجتمع المدني والمؤسّسات الإعلامية (MTV, OTV, ALjadeed, LBCI, other) والجمعيات الاهلية والخيرية والأحزاب ومؤسّساتها الصحية، ويقومون ‏‏بمبادرات وجهود جبّارة بجمع التبرّعات للمستشفيات الحكومية والعاملين فيها وللمواطنين العاطلين عن العمل والمعزولين في بيوتهم والمحتاجين ‏للمساعدة وإيصال الغذاء والحاجات المعيشية إليهم، لكن ‏مهما جُمِعَ من تبرّعات، لا يمكن الاستغناء عن الدولة الفاعلة التي لديها احتياطا مصرفيا مخبأ. ليس لدينا الوقت الكثير لأن الوباء المنتشر قد يأكل الأخضر واليابس، ويحصد البشر والوطن!

البروفسور ناجي الصغير